غليان يُنذر بحرب أهلية تغذّيها عنصرية ترامب

لم يعد عسيراً على المرء رصد اتساع الهوة داخل المجتمع الأميركي، ازدادت حدّتها باضطراد، ومنذ زمن بعيد، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وخصخصة الخدمات الحكومية التي تُرجمت تقليصاً متزايداً لحجم الإنفاق مقابل تخمة في تخصيص ميزانيات لوزارة الدفاع وأجهزة الأمن.

في المقابل يشهد المجتمع الأميركي اتساعاً ملحوظاً وانتعاش رقعة اقتناء السلاح بكافة أنواعه والاتجار به بعد فوز ترامب بالرئاسة، وعودة الجنود من مسارح المعارك الخارجية بخبرات مكتسبة استغلتها المجموعات اليمينية بفعالية، في التدريب ونقل الخبرات، نظراً لحسن تنظيمها وتموضعها في أماكن بعيدة نسبياً عن مراكز الدولة ووفرة مواردها وإمكانياتها المادية.

المواجهة والاشتباكات الأخيرة رافقها عنصران متناقضان بشدة اجتمعا في آن ومكان واحد: مدينة شارلوتسفيل الجامعية الوديعة التي تشعّ بالعلم والمعرفة، تتعرّض "لغزو" ميليشيات مسلحة، حضرت مدجّجة بالعتاد والأسلحة، بصرف النظر عن هدف أو مبرّرات حضورها.

ولعلّ العنصر الأهمّ والذي فاقم الأزمة وعرّى التناقضات الداخلية كان موقف الرئيس ترامب الذي أحجم عن إدانة الطرف المتسبّب بالاشتباكات وعَقدِه مساواة بين المعتدي والضحية بل ذهب أكثر من ذلك، إذ أصر على القاء اللوم على المجموعات اليسارية بشأن العنف الدامي الذي اقترنت به مسيرة "توحيد اليمين" في شارلوتسفيل وحصد على إثر ذلك حملة انتقادات قاسية في اللغة وشمولية في الحضور من مختلف الأوساط.

وقد جاء موقف الرئيس ترامب مغايراً لكل التوقعات التي كانت تراهن على اتخاذ أرفع مسؤول رسمي موقف واضح ينسجم مع حجم الأزمة.

استياء الرأي العام من ردود أفعال البيت الأبيض عكسته الصحافة الأمريكية ومنظمات سياسية ليبرالية التي اعتبرت ان الرئيس الأمريكي "يعزف على أوتار عميقة من التظلم والاستياء" على حد تعبير أسبوعية "تايم"، او أن الرئيس يرد الجميل للعنصريين البيض الذين يقفون الى جانبه.

 "حرب عرقية مقدسة"

“الأعمال الإرهابية التي يقترفها اليمين المتطرف داخل الولايات المتحدة هي الأكثر شيوعاً من بين أعمال العنف الراديكالية الأخرى… متطرفو اليمين خططوا أيضاً لاستخدام "أسلحة بيولوجية وإشعاعية"، جملة كانت خلاصة دراسة حديثة صدرت عن مؤسسة أميركا الجديدة لسبر أغوار بروز التيارات اليمينية المتطرفة وخطورتها.

كان لافتاً لوسائل الإعلام وأجهزة الأمن على السواء بروز المسؤول عن تقديم طلب التظاهر لسلطات بلدية شارلوتسفيل نيابة عن ائتلاف "توحيد اليمين"، جيسون كيسلر، الذي ارتبط اسمه سابقاً كناشط متقدّم في حركة احتلال وول ستريت، وعنصر مؤيد لسياسات الرئيس أوباما.

وثمة سؤال يطرح اليوم على خلفية الهيجان العنصري، هل هو اختراق منظم من الأجهزة الأمنية للحركات الاحتجاجية المناهضة لسياسات المؤسسة الحاكمة، أم توظيف متجدّد؟  

ظاهرة تجذّر التجمعات العنصرية من البيض، سواء في المجتمع أو مؤسسات الدولة، ليست وليدة الأمس، بل تعود الى الحرب الأهلية الأميركية التي انتهت "رسمياً" عام 1865، وولادة أشهر منظمة عنصرية كو كلاكس كلان عام 1866، بيد أنّ تداعياتها لا تزال ماثلة بقوة الى اليوم، يدلّ عليها تباين "التطور الحضاري" ومستويات الازدهار الاقتصادي بين "الشمال والجنوب".

اللافت أيضاً قلق المؤسسة العسكرية الأميركية من انضمام المجنّدين البيض إلى صفوفها، بعضهم يزهو بشعارات عنصرية صارخة محفورة على أجسادهم، والبعض الآخر يصعب تمييزه. مصادر عسكرية في البنتاغون أوضحت في الآونة الأخيرة مدى قلقها بالقول "مجموعات منظمة من العنصريين البيض ومؤيديهم كان لهم حضور مميّز داخل صفوف القوات البرية الأميركية وسلاح مشاة البحرية المارينز في عقدي الثمانينيات والتسعينيات" من القرن المنصرم.

لا توجد إحصائيات رسمية موثقة حديثة حول أعداد العنصريين في صفوف القوات المسلحة. في تقرير أجرته وزارة العدل عام 2008 أتى على تحذير أثار قلقاً شديداً بإقراره أنّ "نصف تعداد المتطرفين اليمينيين في الولايات المتحدة تلقوا تدريبات عسكرية".

المؤسسة الرسمية، عسكريون ومدنيون، تجد تبريرات جاهزة لانخراط مجموعات عنصرية في الجهد العسكري نظراً "لحاجة القوات العسكرية الملحّة لرفد صفوفها بمقاتلين وهي تخوض جملة حروب متوازية، في أفغانستان والعراق".

المؤسسات "الليبرالية" كانت أشدّ وضوحاً في تحذيراتها من تنامي ظاهرة التفوّق العنصري والنازيين الجدد واكتسابهم خبرات حربية حديثة. إذ أشار المؤلف والصحافي المختص بالشؤون العسكرية، فْرِد كابلان، الى حادثة شارلوتسفيل بالقول "لو كنا نقطن في بلد آخر، فإنّ ما جرى يمكن أن يُنظر إليه كمقدمة لإنقلاب عسكري نوعاً ما".

التفوّق العنصري أزمة مستدامة

أضحى من المسلمات أنّ صعود الرئيس ترامب السياسي جاء على أكتاف الشريحة المهمّشة من الفقراء البيض على امتداد الولايات المتحدة، الذين تبنّوا شعاره "أميركا أولاً" بحماس وحضور بارز على الطرف المقابل فإنّ استمراره في منصبه رهن الدعم والتأييد الذي توفره له شريحة إضافية من البيض الميسورين والمثقفين أيضاً. هي ظاهرة مركبة إلى حدّ ما، كما يشير علماء الاجتماع، خاصة لما رصدوه من "استفادة الشريحة العليا للبيض من الامتيازات الاقتصادية بمواكبة تأييدها لنزعات تفوّق العنصر الأبيض، بل تسخير المسألة العنصرية لصالح النخبة بعيداً عن الأضواء".

وعليه، من اليسير بمكان رصد مدى التشابك في العلاقة بين مراكز القوى في الدولة، بشكل عام، وظاهرة التفوّق العنصري المكبوتة في أعلى الهرم الاقتصادي. للدلالة نشير إلى الزخم الإعلامي وتحفيز الوعي الذي تخضع له الشريحة العمالية والفقيرة من البيض ضدّ السود من أصول أفريقية بشكل محدّد، وتحميلهم مسؤولية "تلقي المعونات المجانية" من الدولة، لزيادة حدة التناقضات في أسفل السلم الاجتماعي وإعفاء المتنفذين في قمة الهرم من أيّ مساءلة مكشوفة، كما يشهد عليه تاريخ الدولة الأميركية بحصر المنافع الاقتصادية بيد قلة من الأثرياء البيض.

مستقبل الرئيس الأميركي ترامب يرتبط بشكل مباشر بقاعدته الوفية من أصحاب نظرية التفوّق العنصري، كما أسلفنا، والتي كان حضورها المسلح بارزاً، تمريناً وإنذاراً، ؤرلابنخ لمراكز القوى بأنّ "نشاطاتها" قد تتطوّر إلى النزول للشوارع لتوفر الحصانة المطلوبة لاستمراره في مواجهة المؤسسة.

هل هو إنذار بحرب أهلية، ربما. بيد أنّ المسألة المركزية ومحورها مستقبل الرئيس ترامب بتقديمه للمحاكمة تواجه صعوبات دستورية في المدى المنظور واستغراق تطبيقها لفترة زمنية أطول مما هو متاح في الأفق القريب.

كما أنّ "إزاحة" ترامب، فيما لو كتب لها النجاح، لن تسهم في تهدئة مناخات الصدام والاشتباكات التي هي في تصاعد.

عصر ترامب، كما يجمع أخصائيو العلوم الاجتماعية، أعاد الاعتبار لمخلفات العصور الغابرة من التاريخ الأميركي وإنعاش التفرقة العنصرية، وحصر الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية بشريحة ضيقة من البيض والعزف على نغمة التفرقة والعنصرية خدمة لمصالحها.

التقارب الزمني لمراحل الصدام التي تقوم بها المنظمات اليمينية، ضدّ الدولة وشرائح المجتمع الأخرى، تدلّ على هشاشة السلم الاجتماعي الذي لا ينقصه سوى فتيل اشتعال ينجم عن "سوء تقدير" من قبل الدولة وأجهزتها.

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس