استهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى جولاته الخارجية بزيارة السعودية. ولم يأت هذا الاستهلال صدفة، بل تم اختياره بعناية فائقة. فالرئيس الأمريكي الذي تبوأ منصبه قبل بضعة أشهر فقط يعاني من ضغوط داخلية وخارجية، لم يواجهها أي رئيس سابق، وحجم الانتقادات التي توجه اليه داخل الولايات المتحدة وخارجها هي أيضاً فريدة من نوعها. ولم ينتظر مطلقو هذه الانتقادات حتى انقضاء المئة يوم، التي عادة ما يتحرر خلالها رؤساء الدول والحكومات البرجوازية الغربية من أي انتقاد لإجراءات وقرارات يتخذونها خلال هذه الفترة.

وبالتالي فإن ترامب وأقرب مساعديه ومستشاريه كانوا بحاجة الى زيارة محفوفة بشتى أنواع وأشكال الاثارة التي تروق لشخصية ترامب، والتي يمكن توظيفها بنجاح في الحد، إن لم يكن في اسكات الأصوات الهادرة بقوة  من قيادات في الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء ضد ترامب وتصريحاته ومواجهة السياسات التي ينوي اتباعها تجاه العديد من القضايا الداخلية والخارجية.

وهكذا حفلت زيارة ترامب الى السعودية، التي تم الاتفاق على ترتيباتها مسبقاً أثناء زيارة الرجل الثاني في السعودية الأمير محمد بن سلمان الى واشنطن، بكل أسباب الابهار المبالغ فيه والمقصود، سواء تعلق الأمر بالمبالغة في حفاوة الاستقبال، أو في الاعلان عن صفقات عسكرية وإقتصادية وصفت بـ "غير المسبوقة" في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقاتها الدولية، أو في إغداق الهدايا الثمينة على ترامب وأفراد أسرته.

ولم يكن متخيلاً على الإطلاق أن يحظى ترامب بمثل هذه الحفاوة في أي بلد آخر، حتى في البلدان الحليفة لواشنطن، والتي كانت فيما مضى تستضيف الرئيس الأمريكي في أولى زياراته الخارجية، مثل كندا أو المكسيك وسواهما.

وللتدليل على ذلك يكفي استعادة اجواء الاستقبال العادي والبسيط والبعيد عن كل مظاهر التكلف والتصنع التي حظي بها ترامب في اسرائيل، وهي الدولة الحليفة الأقرب للولايات المتحدة على صعيد المنطقة والعالم. وكذلك التدقيق في الإنتقادات التي وردت على لسان عدد من المسؤولين الأوروبيين الذين التقاهم ترامب في بروكسيل (لقاء الناتو) أو في صقلية (اجتماع الدول السبع) تجاه عزم ترامب الانسحاب من اتفاقية باريس حول المناخ (انسحب منها فعلاً لاحقاً)، او تجاه فرض السياسات الحمائية أو اتهاماته لألمانيا والدول الأوروبية بأن مساهماتها في ميزانية حلف الأطلسي غير عادلة، ويجب زيادتها.

إذعان للإبتزاز

ثمة علاقة تربط التصريحات الاستعلائية التي أطلقها ترامب في سياق حملته الإنتخابية تجاه السعودية والتي جاء فيها أن السعودية لا تتمكن من العيش يوماً واحداً بدون الحماية الأمريكية، وعليها بالتالي تحمّل التكاليف الباهظة لهذه الحماية وبين الصفقات التي أبرمتها السعودية مع الشركات الأمريكية المنتجة للسلاح، والتي قد تصل قيمتها خلال السنوات القليلة القادمة الى حوالي 300 مليار دولار، وضخ مئات المليارات الاخرى كاستثمارات في البنية التحتية الأمريكية. وعقود التسليح والاستثمارات هذه ستوفر مئات الآلاف من فرص العمل، وهو الأمر الذي تباهى به ترامب إثر عودته من جولته الخارجية بالقول أن الزيارة جلبت الوظائف والوظائف ومن ثم الوظائف.

وبهذا التبديد غير المبرر للفوائض المالية الآخذة في التقلص بسبب انخفاض العائدات النفطية، تراهن السعودية على حماية أمنها ومضاعفة قداراتها في ردع ما تسميه بالنزعة العدوانية والتوسعية الإيرانية، وضمان تسليم الدول الخليجية وسائر ما يسمى بـ دول الاعتدال العربي بقيادة السعودية للحلف الذي تعمل على انشائه على أساس مذهبي، ويتولى مهمة التصدي للخطر "الإيراني" و الشيعي" المزعوم في المنطقة الذي بات له وفق المنطق السعودي المتوافق مع المنطق الأمريكي الجديد الأولوية على ما عداه من مخاطر جدية وحقيقية يجري تبهيتها والتمادي شيئاً فشيئاً في تجاهلها والتوقف حتى عن مجرد ذكرها.

والمقصود هنا بطبيعة الحال، الخطر الوجودي المتمثل في الكيان الاسرائيلي الذي يستفحل، وبات يتهدد ليس الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية العادلة بالتصفية فحسب، بل يتهدد أيضاً سائر شعوب ودول المنطقة العربية، بفقدان استقلالها وضياع سيادتها وتحكمها في قرارها الوطني.

قمم غابت عنها القضية المركزية

بموازاة النجاح الإقتصادي، حققت زيارة الرئيس الأمريكي إنجازاً آخر تمثل في التئآم قمة جمعت رؤساء دول وحكومات أكثر من 50 دولة، تمخض عنها بيان غير ملزم، تضمن صياغة لمواقف جاءت أقل حدة من المواقف التي أعرب عنها العاهل السعودي والرئيس الأمريكي في كلمتيهما أمام القمة.

عبر البيان عن التوافق التام في رؤى السعودية والإدارة الأمريكية الجديدة حيال أبرز المشكلات التي تواجه المنطقة العربية. وهذا التوافق جاء ثمرة تراجع ترامب عن مواقف اتخذتها إدارة أوباما من ايران بعد توقيع الاتفاق النووي معها، الذي عارضته السعودية بشدة، وكان أحد أبرز نقاط الاختلاف بين الحكومة السعودية وإدارة أوباما في شهورها الأخيرة .

تصعيد إدارة ترامب للهجتها العدائية تجاه ايران، واعتبارها مصدر الخطر الذي يتهدد المنطقة، وتوجيه الاتهامات الباطلة لها برعايتها للإرهاب، عبر دعم منظمات تابعة لها في كل من العراق وسوريا ولبنان لا سيما "حزب الله" الذي نعته ترامب، كما العاهل السعودي، بـ "الإرهابي"، جاء متوافقاً تماماً مع الموقف السعودي، ومشجعاً له على المضي قدماً في سياسة المواجهة مع إيران، بدلاً من تخفيض حدة التوتر معها، وتسوية الخلافات القائمة بين البلدين، بما فيها الناجمة عن مساعي إيران للتمدد وتعزيز نفوذها في المنطقة من خلال الحوار والمفاوضات المباشرة.

كما جاء هذا التوافق محصلة لتقارب أو تماثل الموقفين السعودي والأمريكي من الأزمة السورية، حيث أعلن ترامب أن تسوية هذه الأزمة توجب رحيل الرئيس الأسد، وهو ما يتردد دائماً بنفس العبارات على لسان المسؤولين السعوديين.

كما ان اعراب الإدارة الأمريكية الجديدة عن استعدادها للتدخل العسكري المباشر في الأزمة السورية، وإقدامها على توجيه ضربة صاروخية لمطار "الشعيرات" قبيل زيارة ترامب للرياض، وتكثيف تواجدها العسكري في المناطق الشمالية الشرقية والجنوبية من سوريا، قد أشاع أجواءً من الارتياح الشديد في أوساط المسؤولين السعوديين، وبعث درجة من التفاؤل لديهم في أن موازين القوى المتحكمة بالأزمة السورية قد تبدأ في التبدل نتيجة لحدوث درجة أعلى من التوافق بين أطراف المشروع الإمبريالي الصهيوني الرجعي المعادي لسوريا، وخاصة بين طرفيه الأمريكي والسعودي.

وأخيراً يأتي هذا التوافق على خلفية استعداد السعودية وعدد من الدول الخليجية المدعم بالأفعال والخطوات الملموسة، للإذعان لضغوط واملاءات الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي تطالب الحكومات العربية بضرورة التخلي عن النزعة العدائية تجاه اسرائيل، واعلان الاستعداد الصريح لتطبيع العلاقات معها، بما في ذلك إقامة العلاقات الدبلوماسية، دون اشتراط أو ربط ذلك بالتوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية.

ويبلغ هذا التوافق ذروته الأكثر خطورة والأبعد مدى من خلال إدراج حركة "حماس" في خانة المنظمات الإرهابية، مما يشكل سابقة في مواقف دول عربية وإسلامية تتلاقى مع الموقف الأمريكي – الإسرائيلي الذي طالما سعى لإصباغ صفة الارهاب على النضال الوطني الفلسطيني، ويوفر لآلة القمع الإسرائيلية أكبر مبرر لأن تدرج حربها المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني باعتبارها جزءاً من الحرب الكونية ضد الإرهاب والتطرف.

ولم نسمع في كلمات الرؤساء العرب، ولا في كلمة الرئيس الفلسطيني رفضاً لهذا الإدراج الذي لا يجوز الموافقة عليه، مهما كانت درجة الخلاف مع حركة "حماس" حول تكتيكاتها في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية.

وهذا الربط بين "حماس" والارهاب يشكل أكبر إهانة للشعب الفلسطيني بأسره، وليس فقط للشريحة الكبيرة التي تؤيد حركة "حماس" وتنظر اليها كحركة مقاومة وإن جانبها الصواب في كثير من الأحيان في اختيار التكتيكات المناسبة لمقاومة الاحتلال التي تراعي الوقائع الموضوعية القائمة على الأرض.

إن تغييب البيان الختامي لقمة الرياض أي اشارة لدور الكيان الاسرائيلي العنصري في دعم الجماعات المسلحة المصنفة إرهابية بموجب قرارات دولية يشكل تبرئة لهذا الكيان من رعايته للإرهاب وتوظيف جماعاته بما فيها النصرة، لخدمة أغراضه التوسعية على حساب الدولة السورية، ومسعاه المحموم لفرض منطقة آمنة على حدوده في هضبة الجولان المحتلة.

كما إن تغييب البيان أي إشارة للقضية الفلسطينية ولسياسات حكومات الاحتلال الصهيوني التي دفعت الارهاب الذي تمارسه بحق الشعب الفلسطيني الى مصاف السياسة الرسمية لكيان الاحتلال يشكل إعلاناً صريحاً من جانب النظام الرسمي العربي لتخليه النهائي عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يرزح تحت الاحتلال ويتوق للتحرر منه باستخدام أشكال النضال كافة المكفولة له بموجب الشرعية الدولية، واستعداده العلني للالتقاء مع الطموح الاسرائيلي الأمريكي بالبدء في عملية التطبيع متعدد الأشكال قبل أن تنصاع اسرائيل لمتطلبات التسوية للصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي التي تستند الى الانسحاب من جميع الأراضي الفسلطينية والعربية المحتلة عام 1967 والتسليم بحقوق الشعب الفسلطيني غير القابلة للتصرف، بما فيها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة على ترابه الوطني.

قلب الحقائق رأساً على عقب

تثبت مواقف قادة الدول صاحبة النفوذ الأكبر في القمم الثلاث التي التأمت في الرياض، وخاصة السعودية والولايات المتحدة، انهم عازمون بالسلاح والنفوذ والمال على احداث تبدل جوهري في خارطة صراعات المنطقة وإعادة تشكيل الاصطفافات بما ينسجم مع هذا التبدل. فمن وجهة نظرهم، لم يعد الصراع الرئيس والجوهري في المنطقة هو الصراع مع الكيان الاسرائيلي العنصري وأطماعه في الهيمنة والتوسع، بل هو الارهاب الذي يجري الزج في صفوف أطرافه بدول وقوى تتصدر هي في الواقع مقاومته ووقف تمدده وتصفية مواقع تواجده، ومن أبرز هذه الدول والقوى إيران وحزب الله.

وهذا ما يكشف أن الحديث المتواتر عالي النبرة عن مكافحة الإرهاب، وتأسيس حلف لمواجهته على أساس مذهبي، والعمل على تشكيل قوة عسكرية مؤلفة من 34 ألف جندي ، يستهدف في الأساس ليس مواجهة المنظمات المسلحة والمتطرفة المصنفة إرهابية بموجب قرارات دولية أو بتوافق أطراف إقليمية ودولية، مثل "داعش" و "النصرة" ومثيلاتهما، وهي منظمات يتآكل نفوذها والقوى المتوفرة حالياً لدى دول وقوى المقاومة للإرهاب قادرة على القضاء عليه، ولا حاجة لأي قوة إضافية، بقدر ما يستهدف مواجهة إيران والقوى الموالية لها. وهذا ما يشكل الاساس للتوافق الحاصل بين أطراف عربية، تأتي السعودية في مقدمتها، مع اسرائيل والولايات المتحدة، اللتان لا تخفيان سعيهما المحموم لتحجيم نفوذ إيران وحزب الله المتصاعد في المنطقة، باعتبارهما يشكلان القوة الضاربة الرئيسة للمشروع الايراني الذي يضطلع بدور المقاومة الجذرية للمشروع الاسرائيلي والأمريكي في المنطقة. (ودفعاً لأي لبس المشروع الإيراني ليس المشروع الوحيد المقاوم للمشروع الأمريكي الإسرائيلي، بل هناك مشاريع اخرى قد تتقاطع معه، لكنها ليست جزءاً منه).

موافقة قمة (قمم الرياض) على منح صكوك البراءة لكل من السعودية والولايات المتحدة وأطراف عربية وإقليمية دولية أخرى، إضافة الى كيانات وشخصيات دأبت عبر دور العبادة ووسائل الاعلام السعودية على التحريض السافر على أساس مذهبي وطائفي بغيض وتسميم الأجواء بكراهية الآخر (المختلف في المذهب او الرأي أو الدين) وتكفيره من المسؤولية عن رعاية ودعم تسليح وتمويل منظمات لا تقل ممارساتها وسلوكها بشاعة عن ممارسات تنظيمي "داعش" و "النصرة"، والتزام الصمت تجاه دعم اسرائيل لعناصر تنتمي لهذين التنظيمين الإرهابيين ولعناصر مسلحة ومتطرفة تنتمي لجماعات أخرى، والتجرؤ في نفس الوقت على إطلاق صفة الارهاب على إيران و "حزب الله" و"حماس" وقوى عربية أخرى، كل ذلك يشكل إفتراءً على الحقيقة والواقع، واستعداداً لمذهبة الصراع في المنطقة واكسابه بعداً لا يمت لجوهره بأي صلة. وهذا من شأنه اغراق المنطقة في صراعات مذهبية وطائفية وأثنية تتناقض كلية وتماماً مع مصالح شعوب المنطقة ويعصف بمكتسباتها الوطنية ويبدد طاقاتها ويعطل نضالها المشترك من أجل الحرية والتحرر والديمقراطية والعدالة الإجتماعية.

 

الاخيرة

كير: العنصرية ضد المسلمين بأميركا زادت 50%
19 حزيران 2017 08:00

قال مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) -في بيان عقب حادث بورتلاند- إن الحوادث المناهضة للمسلمين زادت بنسبة أكثر من 50% في الولايات المتحدة من عامي 2015 و2016.ودعا المدير ال [ ... ]

ترامب يزيد من عدد الشيوعيين
19 حزيران 2017 08:00

جوي سيمز، منظم عمل الاعلام و وسائل التواصل الاجتماعي في الحزب الشيوعي الامريكي لم يكن سعيداً! في الاسابيع الماضيه تقريبا 5000 شخص انضموا الى الحزب الشيوعي الامريكي. فوق ال60 [ ... ]

برلمان جنوب أفريقيا يتوشح بالكوفية الفلسطينية
06 كانون1 2016 09:43

توشح برلمان جنوب إفريقيا في جلسته المنعقدة أمس الثلاثاء بالكوفية الفلسطينية التي تعتبر رمز التحرر والنضال الفلسطيني، في سابقة تاريخية، وذلك بمناسبة اليوم العالمي للتضا [ ... ]

من قتل ناهض حتر
03 تشرين1 2016 11:40

محمد مشرف ناهض حتر الكاتب والمفكر والناشط السياسي قد نتفق معه أو نختلف هذا شيء طبيعي وحيوي فوحدة الرأي موجودة هناك في المقابر بين الهياكل العظمية والجثث المتعفنة .. قام ب [ ... ]

أربعة مواقف للتدين الإسلامي تضاربت حيال اغتيال الكاتب ناهض حتر:
03 تشرين1 2016 11:39

القاتل ومجموعة الدواعش يحملون الدين بأيديهم هم القضاة والمدعون والجلادون. طائفة مسح لديهم الفكر ومسخت الروح  وزيف الوعي فغدوا لا يراعون الحياة البشرية المقدسة وتعوزهم ا [ ... ]

ولادة جديدة للحزب الشيوعي الإيطالي
03 تشرين1 2016 11:35

في الفترة من 24 – 26 حزيران 2016 عقدت الجمعية الوطنية التأسيسية التي أدت الى تأسيس الحزب الشيوعي الايطالي PCI. نرسل هذا الاشعار الى الاحزاب الشقيقة، الاحزاب الشيوعية والاحزاب [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

الحصاد المر لجولة ترامب !
18 حزيران 2017 10:41 - الحزب الشيوعي الأردني

استهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى جولاته الخارجية بزيارة السعودية. ولم يأت هذا الاستهلال صدفة، بل تم اخ [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس