حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كاميرون في محاولة لاسترضاء نواب حزبه بطرح إقتراح كان قد زعم أنه في غنىً عنه. حصل الاستفتاء بعد حملة يمينية ساد خلالها خطاب يميني متطرف معادي لليسار طارحاً أفكاره في وسائط الإعلام. لهذا السبب بالذات دعت صحيفة مورننغ ستار لحوار صريح ومفتوح حول الانسحاب او البقاء في الإتحاد الأوربي من منظور اشتراكي. و لقد شارك في هذا الحوار قيادات حزب العمّال و TUC مجلس نقابات العمّال بالاضافة للناشطين والنقابيين. وكما تعلمون فان لحظات اتخاذ القرار قد حانت، لقد كانت صحيفة مورننغ استار في سنة 1975م هي الصحيفة الوطنية الوحيدة في بريطانيا التي دعت للإنسحاب من مشروع الاتحاد الاوربي (السوق الاوربية المشتركة) للاسباب الآتية:

اولاً: اتفاقية السوق الاوربية المشتركة ستعزز مواقف الشركات الكبرى على حساب الشركات البريطانية و العمّال

ثانياً: ستؤثر تلك الاتفاقيات سلباً على استقلال ممثلي بريطانيا محلياً ودولياً

ولم يفعل الاتحاد الاوربي غير ذلك منذ تلك الاعوام. اتفاقية الاتحاد الاوربي لم تكن غير ما وصفها توني بن حيث قال " هي الدستور الوحيد في العالم الأكثر التزاماً بالرأسمالية" وضعت تلك الاتفاقيات شروطا مجحفة في حق الملكيات العامة وإلزمت أعضاءها بإخضاع مؤسسات القطاع العام لمنطق المنافسة الرأسمالية الحرّة.

علي سبيل المثال حين تدعو حكومة عمالية لاستعادة قطاعي السكك الحديدية و البريد للقطاع العام ستكون في مواجهة مفتوحة مع الإتحاد الاوربي. ومن الأمور التي تُحْسَب لجيرمي كوربن أنه لن يحيد او يتوقف عن المطالبة بإرجاع قطاعي السكك الحديدية والبريد للقطاع العام. من الأمور التي لا يمكن انكارها أن معركةً كهذه كانت ستكون ميسورة إن لم نكن ملزمين بإتفاقيات الاتحاد الاوربي حيث سنحتاج لإنجازها لإجماع ال28 عضواً لمثل هذا الاجراء.

بطبيعته، أي الإتحاد الاوربي المعادي للإشتراكية، هو منظمة غير ديمقراطية أيضاً لدرجة أن برلمانه عاجز حتى عن الإجراء العادي في إقتراح التشريعات. أوامر سَن التشريعات تصدرعن مفوضيته والبنك المركزي وليس عن طريق البرلمان. و الأسوأ من لا ديمقراطيته فهو يعطل و يتجاوز الترتيبات الديمقراطية. فمثلاً عندما قال جون كلود بنكر في تعليقه على الإنتخابات في اليونان حيث جاءت للحكم سلطة مناهضة لإجراءت التقشف الإقتصادي، قال "ليس هنالك خيار ديمقراطي ضد إتفاقيات الإتحاد الأوربي". لقد أُهينت الحكومة اليونانية التي أنتخبت لإنفاذ برنامج يساري وأجبرت على إنفاذ أسوأ برنامج خصخصة وإستقطاعات حدث في اوربا.

ولمن يقولون أن برامج التقشف الإقتصادي كانت خياراً شعبياً وديمقراطياً يطرح السؤال: لماذا كانت حكومات اليسار ظاهريا في فرنسا وايطاليا هي الأسوأ في هجومها علي حقوق العمّال وانجاز القطوعات عن الصرف العام حالها حال حكومات اليمين المتشدد. و يتضح من ذلك أنه لا يهم من ينتخب الاوربيون فالتقشف الإقتصادي هو ما سيجنيه الناخبون الاوربيون في نهاية المطاف.

يزعم البعض أن كراهية الإتحاد الاوربي هي ميزة بريطانية خاصة و الحقيقة أن القليل من الاوروبيين قد أُعطُوا حق الإختيار في البقاء أو الإنسحاب من الإتحاد الاوربي. لا بل عندما أُعطُوا الخيار رفضوا ما يرمي إليه الإتحاد الأوربي، وما يحدث في النهاية أن ينفذ الإتحاد الاوربي أهدافه في كافة الأحوال. لقد رفض الفرنسيون دستور الإتحاد الاوربي، لذلك تم إدراجه ضمن إتفاقيات لشبونة و رفض الأيرلنديون ذلك الدستور أيضاً، لذلك إقترح الإتحاد الاوربي، إعادة التصويت من أجل نتيجة مغايرة. يبدو أن الإتحاد الأوربي، مُصَمّم على ازدراء آراء الناخبين.

يتفق اليساريون في اوروبا على أن سياسات الإتحاد الاوربي ضد اليونان كانت مشينة. ويرى البعض الآخر إنها معادية للإشتراكية، ولا يمكن أن يتم الإمساك بالمسؤولين عنها و يظنون أنه من الأجدر البقاء في الإتحاد الاوربي و السعي لإصلاحه، الأخيرون ربما لسوء الطالع لم يضعوا إستراتيجية إصلاحية للإتحاد الاوربي قابلة للفهم. الحقيقة أن الإتحاد الأوربي مُصَمّم بطريقة ترفض الإصلاح، حيث يكون إجماع الأعضاء مطلوباً لإنفاذ أي تعديل لإتفاقياته . أعمال الحشد الجماهيري مثل تلك التي ناهضت إتفاقية شراكة الإستثمار التجارة عبرالأطلنطي TTIP التي دعت لها حملة قوة الملايين عبر الحدود قد تم رفضها عن طريق مفوضية الإتحاد الاوربي.

على الرغم من ذلك فالعديد من الإشتراكيين والنقابيين مقتنعون بأن خيار البقاء في الاتحاد هو أفضل السيئين؟ حيث يقولون إن انسحاب بريطانيا من الإتحاد سيجبر بعض الشركات الاوربية علي الإنتقال من بريطانيا مما سيؤدي إلي خسارة الخبراء البريطانيين في تلك الشركات لوظائفهم. وعلى هؤلاء أن يتذكروا أن هذه الخسائر هي ليس أكثر من إبتزاز، يمارسه إداريو في الشركات الأجنية. وهنا علينا أن نتذكر أن كبار الاثرياء الذين يلوحون بإمكانية مغادرتهم لبريطانيا حال جعلهم يدفعون إلتزاماتهم الضريبية، فاننا نتجاهلهم فقط و نتجاهل تهربهم من الضرائب.

الشركات الضخمة تدعم فكرة البقاء في الإتحاد الاوربي لأنها تستفيد كثيراً من ذلك. لم تكن فكرة الإنضمام للإتحاد الاوربي مفيدة للشركات الصناعية البريطانية، حيث أنها كانت تضعف وتتضاءل خلال العقود الاربعة الأخيرة. يحظر الإتحاد الاوربي على المنضوين تحت لوائه فكرة دعم الصناعات الوطنية من عوائد الضرائب بذلك، يمنع الإتحاد الأوربي عملية حماية الصناعات الوطنية المنتجة إقتصادياً. و لقد حدث أن تمت محاكمة إيطاليا على إثر دعم حكومتها لصناعة الحديد الصلب في إيطاليا.

يقول آخرون أن بريطانيا ستواجه حريقاً على الصعيدين السياسي والاجتماعي إذا سمحنا ببقاء التحالف بين اليمين البريطاني المتشدد والاتحاد الاوربي. والحقيقة اننا الآن في مواجهة ذلك الحريق بسبب اليمين المتشدد وحده. فمنذ عام 2010م سن المحافظون قوانين تكميم الأفواه، وقوانين النقابات وفرضوا رسوماً عالية لإجراءات التقاضي أمام محاكم العمل و نذروا انفسهم لتدمير الأرث البريطاني في ثقافة السلامة و الصحة العامة في مكان العمل. هذه الإجراءات لم تحرك ساكناً للإتحاد الاوربي.

الذين يقولون إن خدمات الصحة القومية NHS تحت التهديد بسبب أطروحات مايك غوف و بوريس جونسون محقون ( المذكوران يربطان بين المهاجرين والعجوزات التي تعانيها خدمات الصحة القومية وهما من اليمين المتشدد الداعى لمغادرة الإتحاد الاوربي). و لقد اتضح للجميع أن خدمات الصحة القومية في خطر حقيقي تسببت فيه قوانين ديفيد كاميرون للصحة و الرعاية الإجتماعية. و بلا شك فإن خدمات الصحة القومية ليس بمأمن من إتفاقية شراكة الإستثمار و التجارة عبر الاطلنطي خاصة ذلك الإتفاق السري بين الإتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية.

الأمر الثالث والأشد خطورة هو ما عبّر عنه الإشتراكيون المساندون للبقاء في الإتحاد الاوربي، حيث قالوا "إن انتصار الاتجاه الداعي للإنسحاب من الإتحاد الاوربي سيصب مزيداً من الزيت على نيران العنصرية، العداء للمهاجرين والعنف اليميني المتشدد". يبدو أن هذا الرأي قد اكتسب وزناً نتيجة للهواجس ضد المهاجرين التي أثارها اليمين المتشدد، هنا علينا أن نتذكر أن اليمين الأوربي المتشدد قد وجد طريقه في فرنسا والنمسا وهنغاريا (المجر).

انخفاض الأجور، البطالة، و الضربات المتتالية التي يتعرض لها نظام العون والرعاية الإجتماعية تخلق حالة من اليأس تتسبب في تغذية الاتجاهات اليمينية المتشددة والفاشية، هذا بالإضافة للالتزام التعاقدي للإتحاد الاوربي لبرامج التقشف الإقتصادي واعتباره كترياق لكل الأزمات الإقتصادية، واضعين في الاعتبار فكرة أن رصيد الإتحاد الاوربي في مناهضة العنصرية ضعيف، يتجلي ذلك في الصفقة بين الاتحاد الاوربي وتركيا التي جعلت تركيا تدير ظهرها للعديد من اللاجئين العالقين و المحتاجين للغوث. دعم الاتحاد الاوربي انقلاباً فاشستياً في اوكرانيا ضد حكومة منتخبة. وعندما قررت فرنسا ترحيل الالاف من قومية الروما (فئات من الغجر) في 2009-2010 أشاح الإتحاد الأوربي بوجهه عن الكارثة.

ليس هنالك من دليل واحد على أن التصويت من أجل البقاء في الاتحاد الاوربي سيهزم اليمين المتشدد في بريطانيا، بذلك سيكون النزال ضد العنصرية وعدم التسامح معركة علينا خوضها.

منذ انطلاقة عهد الليبراليين الجدد في الثمانينات من القرن الفائت لم نلحظ غير تقوية مراكز الشركات الكبرى في نزالها ضد الديمقراطية واعرافها. نجح الليبراليون الجدد في جعل الشركات المالية بعيدة عن متناول الدولة القومية بإعادة صياغة القوانين التي تحكم النظام المصرفي، لقد حرمت تلك القوانين البنوك البريطانية حتي من حق تحديد سعر الفائدة. الاتفاقيات التجارية في عصر العولمة تمنح الشركات الحق في غزو الاسواق بغض النظر عن رأي الشعوب. تهب تلك الاتفاقيات الحقوق للشركات لتوقيع عقوبات مالية علي الدول التي تعاكس أهدافهم و مراميهم. لقد كان الاتحاد الأوربي جزء من هذا ومرسال مُبَشّر به.

التصويت لمغادرة الاتحاد الاوربي لن يقرّب الأفق الإشتراكي، لكنه سيكون خطوة من أجل تعزيز الديمقراطية في بريطانيا و سيزيل عثرة تقف أمام تقدمنا. بذلك تنصحكم صحيفة مورننغ استار بالتصويت من أجل مغادرة الإتحاد الاوربي.

ترجمة: طه جعفر الخليفة

ترجمات

استراتيجية اشتراكية لدحر ترامب
18 حزيران 2017 10:48

بقلم : كشاما ساوانت تصعيد المقاومة نحو وقف العمل في 8 آذار وأول أيار ! لقد اشعل دونالد ترامب وإدارة نادي أصحاب المليارات المتعصبين انفجاراً اجتماعياً لا يشبه أبداً أي است [ ... ]

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

"الشيوعي البريطاني": الانسحاب من الإتحاد الأوروبي خطوة لتعزيز الديمقراطية
21 تموز 2016 09:28

حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كا [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس