بقلم :باتريك كولبرين

بالرغم من ان تدخل جيش روسيا في سوريا يقود الصراع الى مزيد من التدويل، فانه مع ذلك يقدم فرصاً للحل السياسي، الى جانب انه قد يخلق تعقيدات. وليس هناك حلول بسيطة وسهلة للحرب المروعة والفظيعة التي دمرت سوريا. فمن بين عدد السكان البالغ 22 مليون نسمة، اربعة ملايين منهم لاجئين في الخارج وسبعة ملايين هجروا داخل البلاد.

كنت مؤخراً في منطقة تحت السيطرة الكردية شمال شرق سوريا، حيث الخرائب والدمار بفعل القنابل في مدينة كوباني "عين العرب" التي تشبه حالة ستالينغراد بعد المعركة. ولكن ما هو متماثل في الاهمية، حقيقة انه حتى في المدن والقرى التي أُخرجت منها الدولة الاسلامية "داعش"، وحيث ان البيوت والى حد ملحوظ غير مدمره، الا ان الناس يتخوفون بشدة من العودة اليها.

ان السوريين على حق في ان يكونوا خائفين. وهم يعرفون ان ما يحدث اليوم في ارض المعركة يمكن ان يرتد في الاتجاه المعاكس. وفي هذه المرحلة فان الحرب ما هي الا مزيج متنافر من العديد من المواجهات والازمات، ينهمك فيها لاعبون من داخل وخارج البلاد، وصراعات متشابكة على السلطة وحلبة مصارعة فيها الاسد ضد معارضيه، والشيعة ضد السنة، والكرد ضد العرب والاتراك، وداعش ضد كل انسان، وايران ضد العربية السعودية وروسيا ضد الولايات المتحدة.

احدى المشكلات العديدة في انهاء، او حتى تخفيف هذه الأزمات، تبدو في اللاعبين ذوي المصالح الذاتية هؤلاء، والذين هم أقوياء الى حد محاربة مؤيديهم، ولكنهم ضعفاء جداً امام معارضيهم. لهذا السبب يمكن ان يكون لانخراط موسكو تأثير ايجابي: فروسيا على الاقل دولة هامة ومؤثرة، قادرة على صنع الاحداث من خلال افعالها و مبادراتها الخاصة والتأثير القوي في سلوك حلفائها ومؤيديها.

لقد قال باراك اوباما في مؤتمر صحفي، بعد الضربات الجوية الروسية، اننا "ذاهبون باتجاه جعل سوريا في حرب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا". ولكن الحرب الباردة السوفياتية- الامريكية، والمنافسة العالمية، كان لها منافع لكثير من بلدان العالم. وسعت كل من القوتين العظميين الى دعم حلفائها ومنع الفروقات السياسية من التطور والتوسع بما يمكن استغلال تلك التناقضات. والامة لم تفسد ولم تصبح بالطريقة التي يعملون من خلالها اليوم، والروس و الامريكيون استطاعوا رؤية الاخطار تنزلق كلية خارج السيطرة واثارة ازمة عالمية.

ان توازن القوى الكوني هذا انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وبالنسبة للشرق الاوسط وشمال افريقيا فقد كان معناه المزيد من الحروب.

وهناك حالياً ثمانية صراعات مسلحة مستعرة، بما فيها باكستان ونجيريا.(ويقفز الرقم الى تسعة اذا ما اضفنا جنوب السودان، حيث اسفر تجدد القتال عن مليون ونصف مشرد ومهجر). وبدون تنافس القوى العظمى، الولايات المتحدة وحلفائها مثل المملكة المتحدة وفرنسا، التي توقفت الى حد كبير عن الاكتراث بما يحدث في تلك الاماكن، وعندما تدخلوا كما في ليبيا والعراق، كان ذلك من اجل تنصيب أنظمة عميلة ضعيفة. والحماسة التي اظهرها ديفيد كاميرون ونيكولاس ساركوزي للاطاحة بمعمر القذافي تتباين مع لامبلاتهم عندما كانت ليبيا تنهار، نحو الفوضى الجنائية.

ومجمل القول، انه لمن الافضل ان تشارك روسيا بالكامل في سوريا من ان تقف على الخطوط الجانبية بحيث تتوفر لها الفرصة للمساعدة في استعادة السيطرة على الدافع الذي دام طويلاً خارج السيطرة. ويمكنها ان تبقي الاسد في السلطة بدمشق، ولكن القوة لفعل ذلك تعنى انها تستطيع ايضا ن تعدل من سلوكه وتسرع في الحركة باتجاه خفض العنف، ووقف اطلاق النار والمشاركة في السلطة في المناطق. لقد كان السخف والعبث ماثلين على الدوام في موقف الولايات المتحدة وحلفائها القائم على حصر المشكلة في اطار امرين "اما بقاء الاسد او ذهابه" مع ان النهاية لقيادة الاسد سوف تقود إما الى انحلال الدولة السورية، مثل العراق وليبيا، او سوف يكون لها تأثير محدود لان المشاركين في الحرب السورية ببساطة يستمرون في القتال.

ان تدخل روسيا يمكن ان يكون ايجابياً فيما يتعلق بتخفيف زخم الحرب في سوريا والعراق، الا ان قراءة نص المؤتمر الصحفي للرئيس اوباما ستظهر فقط فهماً محدوداً لما هو حاصل هناك. فسوريا هي مجرد جزء من صراع عام بين السنة والشعية، وبالرغم من ان هناك سنة اكثر بكثير من الشيعة على مستوى العالم، فان الأمر ليس كذلك في هذا الاقليم. فبين افغانستان والبحر الابيض المتوسط - ايران والعراق وسوريا ولبنان- هناك اكثر من مائة مليون من الشيعة وثلاثين مليون من السنة.

وفي المصطلحات السياسية، فان التباين هو اعظم لان القوة العسكرية للاقليات الكردية في العراق وسوريا، بالرغم من كونها سنية من حيث المذهب، فانها خائفة ومرعوبة من داعش والجهاديين العرب السنة المتطرفين اكثر من اي جهة اخرى.وقد اعتقدت القوى الغربية ان الاسد سيذهب في عامي 2011-2012، وعندما بقي الاسد فشلت هذه القوى في ابتكار سياسة جديدة.

ان السلام لا يمكن ان يعود لسوريا والعراق ما لم يتم دحر وهزيمة داعش، وهذا ليس حاصلاً. فالحملة الجوية بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش لا مفعول ولا نتيجة لها. والمليشيات الاسلامية لم تنهار تحت وطأة وثقل الضربات الجوية. ولكن، عبر المناطق السورية والكردية العراقية، اما انها حافظت على نفس المناطق او توسعت. وهنا ما هو مضحك ويثير للسخرية حول الجدل الحاصل في بريطانيا حول المشاركة في الحملة الجوية بسوريا من عدمها، بدون الاشارة الى انها فشلت بشكل واضح في تحقيق اهدافها.

والمشاركة في المعركة ضد داعش تعني دعم وتأييد، او على الاقل التحدث، مع تلك القوى التي تقاتل الان الجهاديين المتشددين. وعلى سبيل المثال، اكثر المناوئين فعالية في سوريا ضد داعش هم الاكراد السوريون. والذين يريدون التقدم غرباً عبر نهر الفرات والسيطرة على اخر حدود لداعش تتقاطع مع تركيا في جرابلس. الا ان رجب طيب اردوغان، الرئيس التركي قال مؤخراً انه لا يقبل على الاطلاق مثل هكذا "امراً مقضياً او منجزا" ولكن الأمر بقي غير واضح فيما اذا كانت الولايات المتحدة ستقدم الدعم الجوي لحلفائها الاكراد والضغط على تركيا كي لا تجتاح شمال سوريا.

ويجب على الروس والايرانين ان يندمجوا الى ابعد حد ممكن في أي محادثات حول مستقبل سوريا. ولكن يجب ان يكون لهذا ثمناً مباشراً : مثل الاصرار في حالة استمرار الاسد، عندها يجب ان تتوقف قواته عن قصف المناطق المدنية التي تسيطر عليها المعارضة. فاتفاقيات وقف اطلاق النار المحلية في العادة حدثت في سوريا فقط عندما يكون احد الاطراف على حافة الهزيمة. ولكن وقف اطلاق النار الاوسع يمكن ان ينظم اذا ما جرى الضغط على الذين يحاربون بالوكالة محلياً من قبل داعميهم الخارجيين.

كل هذه الامور تقريبا يجب ان تحدث معاً. المشكلة هي ان الأزمات المذكورة اعلاه تناقلت العدوى فيما بينها. فهناك قوى اقليمية مثل تركيا وايران والعربية السعودية ودول الخليج لديها درجة قوية من السيطرة على وكلائها المحليين في القتال. لكن هذه القوى الاقليمية لا تهتم اطلاقاً بالتدمير الحاصل على سوريا ولا زالت تحلم في النصر النهائي، ولا يمكن اجبارها على التسويات الا من خلال واشنطن وموسكو.

ان روسيا وامريكا بحاجة لمزيد من الالتزام الكامل في سوريا، فانهما اذا لم يفعلا ذلك، فان الفراغ الذي يتركانه سيُملأ من قبل تلك القوى الاقليمية مع اجنداتها الطائفية والعرقية. ويمكن لبريطانيا ان تلعب دوراً ايجابياًهنا، ولكن فقط اذا ما توقفت عن المشاركة في "الاعيب الادعاء والزعم" بتصنيف الجهاديين المتشددين ليصبحوا معارضة معتدلة، كما حدث في مفاوضات السلام في ايرلندا الشمالية في التسعينات، ان وضع نهاية للحروب في سوريا يعتمد على اقناع اولئك المتورطين في هذه الحروب بأنهم لن يفوزوا، ولكن يمكن لهم ان يبقوا ويحصلوا على جزء مما يريدون. ويمكن ان لا تكون الولايات المتحدة وروسيا القوتين العظيمتين التي كانت ذات مرة، ولكنهما فقط تملكان القوة للسعي من اجل هذه الاتفاقيات.

تعريب :هاني مشتاق

عن موقع الكاونتربانش

ترجمات

استراتيجية اشتراكية لدحر ترامب
18 حزيران 2017 10:48

بقلم : كشاما ساوانت تصعيد المقاومة نحو وقف العمل في 8 آذار وأول أيار ! لقد اشعل دونالد ترامب وإدارة نادي أصحاب المليارات المتعصبين انفجاراً اجتماعياً لا يشبه أبداً أي است [ ... ]

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

"الشيوعي البريطاني": الانسحاب من الإتحاد الأوروبي خطوة لتعزيز الديمقراطية
21 تموز 2016 09:28

حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كا [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس