بقلم:روبرت كيلي

في السادس من آب، قدم لنا جيب بوش معروفاً عظيماً عندما ذكرنا، بالاستخبارات سيئة الاداء التي قادتنا الى كارثة استراتيجية في العراق أدت الى موت مئات الآلاف – قرابة 5000 منهم من الأمريكيين. وفي الواقع لم تكن استخبارات سيئة بل كانت كالكرز المنتقى بعناية ومنغمسة في التلفيق، وقامت بتضليل السياسيين والجمهور ليصدقوا، من بين امور اخرى، ان العراق يطور بنشاط سلاحاً نووياً.

وقد تكون الاستخبارات المسيسة قيد العمل مرة اخرى. ففي الخامس من آب جاء في بلومبيرغ تحت عنوان "ايران تقوم بتعقيم وتنظيف موقع نووي" بقلم جوش روجين وايلي ليك حيث أفادا بأن "مرجعية الولايات المتحدة الاستخباري" ابلغ الكونغرس عن "دليل على ان ايران كانت تقوم بتعقيم وتنظيف موقعها العسكري المشبوه في بارشان، في وضح النهار، بعد ايام من موافقتها على الاتفاق النووي مع القوى العالمية". واستند المقال الى المذكرة الصادرة بتاريخ 3/8 عن مكتب المدير للاستخبارات الوطنية والموجهة الى لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ والتي تكشف "ان الصور المأخوذة عن الاقمار الصناعية والتي التقطت من قبل حكومة الولايات المتحدة في منتصف وأواخر شهر تموز تظهر ان ايران نقلت بولدوزرات وآليات ثقيلة الى موقع بارشان".

وان مكتب المدير العام للاستخبارات الوطنية وكما يقال استنتج "وبثقة عالية ان الحكومة الايرانية كانت تعمل على تنظيف الموقع قبل حملات التفتيش المبرمجة من قبل (وكالة الطاقة النووية الدولية).

"إنني واثق من هذا "قال رئيس اللجنة ريتشارد بار لروجن وليك يوم الثلاثاء 4/8، واستطرد قائلاً  "اعتقد ان للحكومة حق رسم استنتاجاتها. وآمل ان يكون هذا ما سيتحدثون عنه، طالما انه سيتم التحقق منه وبطرق عديدة من خلال مفهوم تجاري. وتبدو اعمالهم انها ضد المزاج الفطري للحكومة" .

ورداً على هذه الايحاءات والافشاءات وبوضوح وسرعة غير عاديين، فان البعثة الايرانية في الامم المتحدة رفضت على الفور الاتهامات واعتبرتها منافية للعقل ولطبائع الامور او الطبيعة.

ان مجمع بارشان العسكري يغطي منطقة واسعة جداً، تشتمل على قطاعات مختلفة عسكرية وصناعية وادارية وسكنية. وهي، وبناء على ذلك، من الطبيعي ان يكون لديها اعمال انشائية قيد التنفيذ في اي وقت كان.

دعونا ننظر في الصور

أدخل ديفيد اولبريت رئيس "المعهد للعلم والامن الدولي" الذي كشف (بدون تعمد او قصد) عن الاساس المشكوك فيه والمريب لعمود البلومبيرغ. لقد نشر المعهد ثلاث من صور الاقمار الصناعية المتاحة تجارياً "لموقف سيارات" على مقربة من العمارة التي ادعى ولزمن طويل انها كانت موقعاً لتجارب خاصة بأسلحة ذات صلة بالطاقة النووية قبل عام 2003.

صورتان من الصور الثلاث - التي التقطت ايام 12و19و26 تموز على التوالي- وكانت قد التقطت بعد توقيع برنامج العمل الشامل المشترك بتاريخ 14 تموز في جنيف، ومن المفترض ان يغطي الفترة التي اشير اليها في المذكرة الصادرة عن مكتب المدير العام لهيئة الاستخبارات الوطنية ومثل تخيلات الاقمار الصناعية التابعة لحكومة الولايات المتحدة، فان كل الصور الثلاث المنشورة التقطت في وضح النهار.

وعليه، ما الذي كشفته الصور الاخيرة؟ في اول صورتين، ليس فيهما أي شيء: لا عربات نقل ولا اجسام أرضية متحركة، لا نشاطات ذات اهمية استراتيجية. وفي الصورة الثالثة هناك عربتان شوهدتا متوقفتان بجانب بوابة المجمع. وكل من السيارتين طول الواحدة منها حوالي اربعة امتار وتشبه سيارات السيدان، واحدة سوداء والاخرى بيضاء، وهما من المألوف شاهدتهما في صور الاقمار الصناعية على امتداد بارشان (منطقة شديدة التحرر تبلغ مساحتها اكثر من خمسين كيلو متراً مربعاً). والواقع، شوهدت ثلاث سيارات سيدان للركاب تحتل بالضبط تقريباً نفس الحّيز بالقرب من البوابة في صورة غوغل للارض التي اخذت يوم 11/5/2015 اي قبل حوالي خمسة اسابيع من اختتام الاجتماع الذي صدر عنه البرنامج المذكور سابقاً.

وعلاوة على ذلك، من خلال معاينة صور اقمار صناعية اخرى متاحة للعموم خاصة بالموقع المشكوك فيه تظهر باستثناءات قليلة، عدة سيارات كانت متوقفة في نفس موقف السيارات في كل ايام الاسبوع "باستثناء يوم الجمعة يوم العطلة الاسلامية". واستناداً لهذه الصور فان عدد السيارات المتوقفة في الموقع تتناقص في الواقع في تموز الماضي. وسيارات السيدان التي صورت في 26 تموز من قبل مكتب المدير العام للاستخبارات الوطنية هي صغيرة جداً كي تكون قادرة على اداء اعمال كبيرة (بالرغم من وصف المكتب) للسوداء على انها "يحتمل" ان تكون بلدوزر او محدلة، ولا شيء اخر يحدث في اي مكان اخر ففي المشهد. باختصار، ليس هناك اي دليل مهما كان يدل على محاولات "لتنظيف او تعقيم"  المنطقة داخل او حول الموقع المشبوه .

ويستطيع القارئ ان يقارن الاحجام النسبية لمجموعة من المعدات الثقيلة (حوالي 8 امتار طولها) وحجم سيارة السيدان النموذجية التابعة لبارشان (حوالي 4 امتار طولها) وفي صورة الاقمار التي التقطت في شهر كانون الثاني 2015 وفي جزء مختلف تماماً من موقع بارشان. وعليه، فان الهدف الذي وضع عليه ملصق كتب عليه (اداة نقل غير محددة النوع، يمكن ان تكون بلدوزر او محدلة" في صور المكتب في 26 تموز وتظهر صغيرة جداً وبعيدة لتكون آلية من نوع يستخدم في بارشان.

ونشر "المعهد للعلوم والامن العالمي" لاحقاً منظراً أكثر شبهاً من منظر 26 تموز الذي صور منطقة في بارشان، يشتمل على الموقع الذي افترض ان يكون بصدد "التنظيف والتعقيم". ولكن هذا المنظر لا يقدم اي دليل على آلية أرضيه او أي شيء آخر يمكن اعتباره أداة "لتعقيم" الموقع.

وصور المشهد أيضاً موقف سيارات آخر لعشرين سيارة، لكنها نفس الاليات التي تتوقف عن العمل  في ايام العمل الاسبوعية على مدى السنوات الخمس الماضية، بناء على دراسة لستة وثلاثين صورة اقمار صناعية متاحة للجمهور والتقطت منذ 2010.

والسؤال الذي وضعه أولبرايت نفسه في ملحق نشر في 11 آب لصحيفة واشنطن بوست هو في الحقيقة الصحيح حيث أورد على سبيل المثال ما قاله تشيكو ماركس الذي تساءل " من هو الذي ستصدقه؟ انا ام عينيك"؟ في هذه الحالة، علينا ان نعتمد على عيني اولبرايت نفسه التي قدمها لنا من خلال صور الاقمار الصناعية التي نشرها على موقع مكتبه الالكتروني.

 وما ظهر بكذب ويناقض بينه وشهادة مكتب المدير العام للاستخبارات الوطنية، كما قدمت من قبل الرئيس بار والمصادر المختلفة الاخرى التي لم تذكر اسماؤها.. حيث لم يكن هناك أية نشاطات او عمليات "تنظيف وتعقيم" تحدث في وضح النهار بعد ان جرى توقيع اتفاقية العمل الشامل المشتركة مع ايران، أي الاتفاق النووي في 14 تموز. فان اولبرايت يستحق شكرنا لتوضيح هذه المسألة.

نحو أمكنة اخرى في بارشان

لا نستطيع ان نستثني الاحتمالية التي كان يشير اليها مكتب المدير العام للاستخبارات الوطنية والمتعلقة بعملية او نشاط خاص "بالتنظيف والتعقيم" في منطقة مختلفة تماماً ضمن مجمع بارشان، المنطقة التي لم تحدد للعموم لا من قبل وكالة الطاقة النووية الدولية ولا من قبل الجهات الاستخبارية في الولايات المتحدة "والبالغ عددها 17 جهة".

وحتى الان، كان الافتراض بأن الموقع يخضع، "للتنظيف او التعقيم" هو نفسه الذي ركز عليه "المعهد للعلوم والأمن العالمي" الانتباه. واستناداً الى المجموعة، العمارة التي صورت في مجموعة الصور تتضمن غرفة كبيرة لكبح  مقاومة متفجرات والتي يمكن ان تكون ايران جربت من خلال اجهزة تشبيهية مكونات داخلية لسلاح نووي مستخدمة يورانيوم طبيعي قبل 2003.

ومنذ تشرين ثاني 2011، وعندما نشرت وكالة الطاقة النووية الدولية تقريراً يتعلق بتلك التجارب استنادا ً الى معلومات استخبارية من عضو مجهول الاسم في الدولة (الفقرة 49) من الملحق.

ادعت وكالة الطاقة النووية الدولية انه وفي مناسبات عديدة حاولت ايران ان "تعقم" باستخدام البلدوزرات وبناء الطرق وحفر المجاري وغيرها من العمليات.

ان الحرب على العراق وما تبعها من كوارث كانت مستندة والى حد كبير على معلومات استخبارية مسيسة وعلى تسريبات انتقائية. ذلك المثال قد يتكرر هنا. فالرئيس بار لم يقل بأنه متفق مع المعلومات الاستخبارية، وما قاله فقط، ان الامر مألوف لديه. وعلى ضوء العدد الضخم من الاثباتات في صفقة ايران، يجب على واضعي القانون طلب الاستماع لمن سرب المعلومات الاستخبارية الاخيرة الى الصحافة، وما هي دوافعهم لفعل ذلك. وعليهم ان يطلبوا ايضاً تقييماً شاملاً لمجمل الجدل حول بارشان والادعاءات المتكررة فيما يتعلق بالجهود التي بذلت "لتعقيم أي شيء حدث هناك يتعلق بالنشاط المزعوم المرتبط بالاسلحة النووية.

بالرغم من الدليل الواضح الذي كشف عنه من قبل العلوم والامن الوطني في احدث صور نشرها، فإنه لا يوجد هناك أي شيء مهم يحدث في الموقع المشكوك فيه منذ ان وقعت الاتفاقية، وقد  وجهت الى مدير عام الطاقة النووية الدولية يوكيا امانو عشرات الاسئلة حول بارشان عندما أدلى بشهادته امام لجنة العلاقات الخارجية. ان المعلومات الاستخبارية السيئة، يمكن ان تعود ثانية. وقد يموت المزيد من البشر هذه المرة.

تعريب هاني مشتاق

عن موقع الكاونتر بانش

ملاحظة : الكاتب من المحاربين القدامى على مدى 35 عاماً في دائرة مجمع الاسلحة النووية في الولايات المتحدة، واخرها في لوس الموس. وخدم مرتين كمدير عام للتفتيشات النووية في العراق ما بين 1992 و 2001، ونشر نقداً لتحليل وكالة الطاقة النووية الدولية لموقع الكبر في سوريا.

ترجمات

استراتيجية اشتراكية لدحر ترامب
18 حزيران 2017 10:48

بقلم : كشاما ساوانت تصعيد المقاومة نحو وقف العمل في 8 آذار وأول أيار ! لقد اشعل دونالد ترامب وإدارة نادي أصحاب المليارات المتعصبين انفجاراً اجتماعياً لا يشبه أبداً أي است [ ... ]

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

"الشيوعي البريطاني": الانسحاب من الإتحاد الأوروبي خطوة لتعزيز الديمقراطية
21 تموز 2016 09:28

حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كا [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

الحصاد المر لجولة ترامب !
18 حزيران 2017 10:41 - الحزب الشيوعي الأردني

استهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى جولاته الخارجية بزيارة السعودية. ولم يأت هذا الاستهلال صدفة، بل تم اخ [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس