بقلم : بيل فان اوكن

ألقى الرئيس دونالد ترامب يوم الاثنين الثامن عشر من كانون الاول خطاباً في واشنطن قدم فيه استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارته "أمريكا أولاً"، وهي وثيقة من 55 صفحة تظهر وبفظاظة المصطلحات والتعبيرات الخاصة بالاستعدادات لحرب عالمية جديدة.

وفيما اذا كان ترامب قرأ الوثيقة أم لا فانها بعيدة عن الوضوح. وكان خطابه نفسه في الاساس حملة دعاية بالية وتافهة بشكل فاقع، يمجّد انتخابه في تشرين الثاني عام 2016 وتوليه السلطة عام 2017 ويطري على كل ما قاله حول "أمريكا أولاً" و "جعل أمريكا قوية مرة ثانية"، بدءاً من بناء الجدار الحدودي واتخاذ اجراءات صارمة ضد المهاجرين، الى تمزيق اتفاقيات التجارة والمناخ والانقلاب على الاتفاق النووي مع ايران.

وبتقديمه برتابة مملة وبلا اكتراث، كان في الخطاب كل المميزات التي تدل أنه كتب من قبل كبير مستشاري ترامب السياسيين الفاسشتي ستيفن ميلر، بشعاراته المعادية للمهاجرين وتوسله "للثقافة" و "القيم" الأمريكية، وتعهده بأنه كما قال "سنقف من أجل مصالحنا، وسنقف من أجل بلادنا بشكل لم نقفه من قبل".

وطرح ترامب خطة إدارته لمدة عام كدورة اقتصادية للولايات المتحدة، تعكس قبل كل شيء في سوق الاوراق المالية الوصول الى مستوى يوم الاثنين "العالي على الدوام" وهو ما ردده للمرة الخامسة والثمانين منذ انتخابه. وأخذ على نفسه عهداً بأن تعليق تخفيضات الضرائب للشركات والأثرياء المشترك مع خفض لوائح العمل سيبقى هو توجهه.

وكان هناك أكثر من صدى باهتاً للأيديولوجية الهتلرية في خطاب ترامب، بما فيه من اتهامات للرؤساء السابقين من أجل تضليل المواطنين الأمريكيين "المنسيين" وتعهده بالحفاظ على الاقتصاد من خلال بناء الجيش وصناعة الاسلحة الأمريكية.

"إن ارادتنا قد تجددت، ومستقبلنا قد استرد، واحلامنا قد شفيت ورممت"، واختتم ترامب خطابه، مضيفاً، "كل امريكي له دور ليلعبه في هذا الجهد الوطني العظيم".

ان جوهر وثيقة استراتيجية الأمن القومي نفسها يكمن في دعوة من اجل الاستعداد والتحضير لعهد جديد من صراع "القوة العظمى والحرب العالمية". وفي الوقت الذي تشمل فيه أفكار وشعارات ترامب عسكرة الحدود ومطاردة المهاجرين الى جانب استحضار القومية الأمريكية، فان زبدة الوثيقة تعكس التفكير داخل عصبة الجنرالات المتقاعدين والذين على رأس العمل ويهيمنون على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتضم مستشار الأمن القومي الجنرال هـ.ر. ماكماستر، ووزير الدفاع الجنرال جيمس "ماد دوغ" ماتيس ورئيس أركان جيش ترامب الجنرال جيمس كيلي.

فماكاستر، الذي يقال عنه أنه لعب الدور القيادي والموجه في صياغة الوثيقة، جسد الهدف الاساسي لرسالته في مؤتمر نظم بعد صدورها من قبل خلية تفكير بريطانية، حيث قال: " لقد عادت الجيوبوليتكس"، عادت بعنف وتواقة للانتقام، بعد هذه العطلة من التاريخ والتي حصلنا عليها في الفترة التي سميت " ما بعد الحرب الباردة" بعد ربع قرن من حروب الولايات المتحدة المتواصلة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991. يستخدم ماكماستر ورفاقه الجنرالات استراتيجية الأمن القومي الجديدة للاصرار على أن وشنطن لم تك جريئة أو عدوانية بما يكفي وللدفع نحو زيادة سريعة وغير مسبوقة من العسكرية الأمريكية، الموجهة نحو التحضير لحرب كونية ضد الصين وروسيا كـ "قوتان رجعيتان" ومنافسان معاديان" وهما يسعيان " لصياغة عالم متناقض مع قيم ومصالح الولايات المتحدة".

"والصين وروسيا تتحديان القوة والتأثير والمصالح الأمريكية، وتحاولان تمزيق أمن وازدهار أمريكا" كما تقول الوثيقة.

"هذه المنافسات تتطلب من الولايات المتحدة اعادة النظر في سياسات العقدين الأخيرين – سياسات استندت الى افتراض أن العمل مع المنافسين وتضمينهم في المؤسسات العالمية والتجارة الدولية سيحولهم الى ممثلين لطيفين وغير خطيرين وشركاء جديرين بالثقة"، تواصل الوثيقة، "وقد تحول هذا الافتراض بمجمله الى كذب وخداع.

وتتضمن الوثيقة أجندة للحرب التجارية ومجموعة من السياسات الاقتصادية المحلية وما فيها من ادعاءات وأنظمة الأمن القومي – وجميعها يهدف الى تحويل الثروة من الطبقة العاملة الى الوول ستريت من خلال التخفيضات الضريبية، ورفع القيود و "كبح الانفاق الاتحادي". ان مطلبها الرئيس، على أي حال، هو "التطوير والتعاظم العسكري غير المقيد".

وفي الوقت الذي تشن فيه الحروب الكثيرة على امتداد الستة عشر سنة الماضية والتي استنزفت قرابة 6 تريليونات من الدولارات من اقتصاد الولايات المتحدة، فان واشنطن تواصل الانفاق الأكثر على جيشها وبما يزيد عما تنفقه الثمانية أقطار التي تليها مجتمعة. وتعرض الوثيقة آلة حرب الولايات المتحدة الضخمة التي تعاني من نقص التمويل والافراد.

"ومنذ التسعينات، أظهرت الولايات المتحدة درجة عالية من الرضى عن الذات المصحوب بغفلة عن الاخطار المحدقة" كما تقول الوثيقة " وبدلاً من بناء القدرة العسكرية، طالما أن التهديدات لأمننا القومي تزايدت، فان الولايات المتحدة خفضت وبشكل كبير حجم جيشنا..بدلاً من تطوير قدرات هامة ودخلت القوة المشتركة منذ عقد تقريباً "عطلة المشتريات" وخلال ذلك كان اكتساب أنظمة أسلحة متطور محدوداً بشكل كبير"

"لقد انتهت "العطلة" التي تشير اليها الوثيقة. وتعزيز الجيش مطلوب لمواجهة محاولة الصين وروسيا لاعادة تأكيد تأثيرهما اقليمياً وعالمياً".

"وفي الوقت الحاضر، تقومان بايفاد قدرات عسكرية صممتا لحرمان أمريكا من الوصول في أوقات الأزمات كي تنافس قدرتنا على العمل بحرية في المناطق التجارية الحيوية في وقت السلم" وتفيد "باختصار، انهم ينازعان ميزاتنا الجيوسياسية ويحاولان تغيير النظام العالمي لما فيه صالحهما".

وتقول الوثيقة أن البنتاغون يجب أن يصل الى "التفوق – توحيد وحشد القدرات على مستوى كاف لمنع العدو من النجاح ولضمان أن أبناء وبنات أمريكا لن يكونوا أبداً في حرب عادلة".

وفي نفس الوقت، ترفض الوثيقة ما يوصف بمفهوم ما بعد الحرب الباردة بأن "كل الحروب يجب أن تشن والظفر بها سريعاً، التحفظ وترك مسافة فاصلة مع أقل اصابات ممكنة". وما يفهم ضمناً هنا، ما يجب القبول به الان هو توقع او احتمال حدوث حروب أوسع وأضخم كثيراً مما يقتضي ضمناً حدوث وفيات في صفوف القوات الأمريكية وتكون كثيرة الى حد لم يحدث مثله منذ الحرب العالمية الثانية.

وتواصل الوثيقة "وعلى الولايات المتحدة ولكي تحتفظ بتفوقها العسكري، أن تجدد وتعيد قدرتنا على انتاج امكانات وقدرات ابتكارية، وأن تعيد وتجدد جاهزية قواتنا لحرب أكبر وأعظم، وتزيد من حجم القوة بحيث تكون قادرة أن تعمل على مستوى كافٍ ولمدة طويلة وكافية للفوز عبر سلسلة من السيناريوهات".

"ويجب على الولايات المتحدة أن تقلب رأساً على عقب كل القرارات الجديدة والمتعلقة بخفض حجم القوة المشتركة وزيادة القوة في حين تعمل على تحديثها وضمان جاهزيتها".

وفي الوقت الذي تدعو فيه الى تعزيز وتطوير القوات المسلحة وعلى أساس متين ووطيد، فان الوثيقة تضغط بشدة على تقوية وتعزيز قدرات الولايات الامتحدة فيما يتعلق بشن حرب نووية.

وتقول الوثيقة "يجب على الولايات المتحدة أن تحافظ على الردع الموثوق به وقدرات الأمن والسلامة المزودة من قبل ثالوثنا النووي ومن قبل قدراتها على المسرح النووي المنتشرة خارج الحدود".

"ان الاستثمار الهام والضخم مطلوب للحفاظ على الترسانة والبنية التحتية النووية للولايات المتحدة والتي تكون قادرة على مواجهة التهديدات الأمنية العالمية على مدى العقود القادمة".

وفيما يعتبر بمثابة موجز لسياسة حافة الهاوية لحرب نووية، تؤكد الوثيقة على : "أننا لن نسمح لأعدائنا باستخدام تهديدات التصعيد النووي او التصرفات النووية اللامسؤولة الاخرى للضغط على الولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا. ولن يثني الخوف من التصعيد أو يمنع الولايات المتحدة من الدفاع عن مصالحنا الحيوية وتلك التي تخص حلفائنا وشركائنا".

إن وثيقة استراتيجة الأمن القومية تشكل تحذيراً خطراً. وكانت ادارة جورج بوش قد أصدرت عام 2002 مثل هذه الوثيقة تدافع عن "الحرب الاستباقية" وخلال سنة، اجتاحت قوات الولايات المتحدة المسلحة العراق، حيث شنت حرباً عدوانية استناداً على اكاذيب، والوثيقة الحالية تمهد الطريق لحرب عالمية تستخدم فيها الأسلحة النووية.

 

(1)   الجيوبوليتكس : دراسة الظواهر الجغرافية والاقتصادية والبشرية من حيث كثافة السكان وتوزعه بوصقها عوامل مؤثرة في السياسة الخارجية للدولة.

 

تعريب : هاني مشتاق

عن موقع وورلد شوشاليست "اشتراكيو العالم"

ترجمات

ترامب يكشف عن استراتيجية الأمن القومي "أمريكا أولاً"
02 كانون2 2018 09:18

بقلم : بيل فان اوكندونالد ترامب يوم الاثنين الثامن عشر من كانون الاول خطاباً في واشنطن قدم فيه استراتيجية الأمن القومي الجديدة لإدارته "أمريكا أولاً"، وهي وث [ ... ]

استراتيجية اشتراكية لدحر ترامب
18 حزيران 2017 10:48

بقلم : كشاما ساوانت تصعيد المقاومة نحو وقف العمل في 8 آذار وأول أيار ! لقد اشعل دونالد ترامب وإدارة نادي أصحاب المليارات المتعصبين انفجاراً اجتماعياً لا يشبه أبداً أي است [ ... ]

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

إجماع شعبي على عدم التفريط بالقدس
02 كانون2 2018 08:49 - الحزب الشيوعي الأردني

تفجر الغضب الأردني على موقف الرئيس الأمريكي من القدس، وشمل جميع المحافظات والمدن والعديد من القرى والأندية و [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس