بقلم :روبرت فانتينا

في أعقاب الضربة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري الذي يوجه فيه نقداً لاذعاً للسياسة الإسرائيلية، وللقاتل الاسرائيلي الأول بنيامين نتنياهو الذي يبدو أنه خرج عن طوره وبات غير قادر على ضبك انفعالاته ولجم غضبه، حيث قال وهو ينوح ويشكو مباشرة بعد خطاب الوزير "أن السيد كيري تعامل بافراط مع المستوطنات وبالكاد لامس جذر الصراع". ثم أطلق بعدها تلك العبارة التي لا تصدق "لا أحد يريد السلام أكثر من شعب إسرائيل". حسناً، ما علينا.

وهنا نتساءل، هل يصل الأمر حقاً الى هذه الدرجة؟ وهل حقاً أن الحقيقة اختفت من على الرادار الدولي؟ في عرف نتنياهو، الأمر يبدو على هذا النحو التافه والسخيف، فها هو رئيس وزارء  الدولة الثرية والمشهورة التي تتلقى معونة خارجية من الولايات المتحدة أكثر من كل الدول الأخرى مجتمعة، لا يتورع عن اطلاق هذه المزاعم  ولا يفكر بتجنب الاحراج على المستوى العالمي. حسناً، بما أن دونالد ترامب هو الرئيس المنتخب للولايات المتحدة، فإن الكاتب يفترض أن هذا أجاب كل اسئلته الخاصة.

وقال نتنياهو أيضاً أن كيري لجأ الى الاقوال وتجنب الأفعال في سياق ادانته لما أسماه بالارهاب الفلسطيني، واتهم الوزير بالهجوم على الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط.

واحتوى حديث نتنياهو على "جواهر" اخرى من الحكمة المشوهة، لكن الوقت منعنا من إجراء دراسة لكل جوهرة على حدة. ولكن دعنا نجري عملية تقصي حقائق خاص بنا في القليل الذي أشير اليه هنا، لنرى ما يمكن أن نتعلمه.

"لا أحد يريد السلام أكثر من شعب إسرائيل" دعنا هنا نتفحص الآن هذا الكلام. لقد انتزع الاسرائيليون ملكية منازل الفلسطينيين وطردهم منها لأسباب مختلفة : ليسكنوا هم فيها، او لتدميرها لتوفير مساحات لإنشاء "مجتمعات إسرائيلية نقية" وهو اسم جديد كثر استعماله لتصحيح اسم "المستوطنات"، أو لشق طرق لا يستطيع غير الاسرائليين عبورها وهم وحدهم يقودون سياراتهم عليها، أو لمد نطاق جدار الفصل العنصري.

ويرتكب المستوطنون الاسرائيليون الجرائم بما فيها جرائم القتل ضد الفلسطينيين متمتعين بالحصانة والافلات من العقوبة، وفي أغلب الأحيان بحماية الجنود الاسرائيلييين والذين هم أنفسهم يرتكبون جرائم يتم السكوت عليها ضد الفلسطينيين، وأيضاً يفلتون من العقاب الى حد كبير.

كما أن الاسرائيليين أحرار في حملهم للسلاح أينما ذهبوا، ومحرم على غيرهم فعل ذلك.

وبطريقة أوبأخرى، لا يبدو لي ان هكذا أفعال هي أفعال أناس يريدون السلام حسب ما يدعى القاتل الأول نتنياهو ويريدنا أن نصدقه.

لقد قال نتنياهو أن المستر كيري أدان بالأقوال وليس بالأفعال" ما أسماه الارهاب الفسلطيني، والحقيقة أن ما قاله كيري عما أسماه "بالارهاب" المرتكب من قبل الفلسطينيين هو مجرد تهدئة واسترضاء للاسرائيليين. وكيري عليه أن يعرف انه، وبموجب القانون الدولي، الشعب المحتل له الحق في مقاومة الاحتلال بأية طريقة ممكنة. وعليه أن يعرف أيضاً أن ما سمي "بصواريخ" حماس التي تطلقها أحياناً من غزة هي، وحسب ما قاله العالم نورمان ونكلشتاين أبن أحد الناجين من المحرقة والذي يجاهر بانتقاده لاسرائيل عن هذه الصواريخ أنها ليست أكثر من ألعاب نارية، ويصعب أن تقارن هذه الصواريخ بالأسلحة الفتاكة التي تقدمها الولايات المتحدة لاسرائيل لكي تقتل الفلسطينيين رجالاً ونساءاً وأطفالاً. ولنتذكر هنا أنه وفي صيف 2014، أطلقت اسرائيل أكثر بكثير صواريخ فتاكة على قطاع غزة من تلك التي اطلقتها حماس على اسرائيل على مدى الأربعة عشر عاماً الماضية.

ويبدو أن لدى نتنياهو تعريف استثنائي وفذ للإرهاب، ويتساءل الانسان إذا ما كان نتنياهو يعتبر ارهاباً اقدام الجنود الفلسطينيين وبشكل روتيني على إقتحام بيوت الاسرائيليين في منتصف الليالي ونهب البيوت واعتقال كل من هو فوق العشر سنين من الذكور. بالتأكيد نتنياهو سيصنف هذه الممارسات إرهاباً. لكنه سيتوقف عن اعتبار مثل هذه التصرفات ارهابا، عندما ترتكب من قبل الجنود الاسرائيليين يومياً ضد الفلسطينيين.

وهل يعتقد القاتل الاسرائيلي الأول أنه عمل ارهابي اذا قاد الفلسطينيون البلدوزرات نحو بيت أسرة اسرائيلية وأبلغوها بترك المنزل على الفور، لأن منزلهم سيجري هدمه؟ علماً بأن اسرائيل تفعل ذلك مع الفلسطينيين مئات المرات كل سنة.

وإذا ما ذهب الفلسطينيون الى خزانات مياه الاسرائيليين التي يستخدمونها لمياه الشرب، وقاموا بتلويثها بالدجاج الميت وفضلات البشر، فهل يشعر القاتل الأول أن ذلك من أعمال الارهاب ؟ وهل يشعر نفس الشعور لو أن الفلسطينيين  وببساطة دمروا تلك الخزانات؟ الاسرائيليون يفعلون هذا على الدوام.

واذا ما أقدم الفلسطينييون على التوجه بشاحنات مجهزة، نحو مدرسة إبتدائية مجاورة، ومن ثم رشوها بمياه المجاري مع العمارات السكنية المجاورة وأي شخص لم يستطع الهرب بعيداً بسرعة، فهل يعترض نتنياهو على هذا العمل باعتباره عملاً ارهابياً؟ الفلسطينيون يعانون من هذه المعاملة من قبل الاسرائيليين.

وعليه، وربما، وكما يظن نتنياهو في عقله المجنون والضيق، ان الاسرائيليين فقط هم من يمكن اعتبارهم ضحايا: ومع ذلك، فانه وبسرعة سيخبرك: تذكر المحرقة ! التي لا يمكن أن نسمح بحدوثها ثانية على الاطلاق! وعبارة "مرة ثانية" تعني الاسرئيليين فقط، وفي عرفهم أن هكذا جرائم، كالتي حدثت اثناء المحرقة، تبدو للآخرين أمراً حسناً.

وكيري، وحسب القاتل الاسرائيلي الاول، هاجم "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" وأحد العناصر الرئيسة للديمقراطية هو "ضمان حقوق الانسان الاساسية لكل فرد في مواجهة الدولة وسلطاتها ومواجهة أي مجموعات إجتماعية ( وبخاصة المؤسسات الدينية) ومواجهة الأخرين. لقد سبق وأشرنا الى الطرق التي يسمح للاسرائيليين بقيادة سياراتهم عليها. أيضاً، غير الاسرائيليين في النظام القضائي لهم مجموعة من القوانين خاصة بهم.

وبالنسبة للذين يعيشون تحت الاحتلال، يتضمن هذا، الاعتقال بدون تهمة، التوقيف غير المحدود، وعدم الاتصال بالمحامين أو الأهل، والافتقار الى الرعاية الطبية وغيرها. ولا يمكن اعتقال الاسرائيليين بدون تهمة أو التوقيف غير المحدد.ولديهم حرية الاتصال الفوري وغير المقيد بالمحامين والأهل وأية احتياجات طبية تؤمّن لهم على الفور .

وعنصر رئيسي أخر، هو حرية التعبير والصحافة. وتفتخر اسرائيل بهذه الحرية طالما انه ليس هناك من يقول شيئاً في انتقاد الدولة.

إنها الديمقراطية ...بحق !

يبدو أننا أبقينا الأفضل للنهاية. فنتنياهو قال أن كيري "قد تعامل بافراط عندما تحدث عن المستوطنات وبالكاد لامس جذر الصراع "وهنا يبدو القاتل الأول كالطفل في ساحة المدرسة، عندما يقال له لماذا ضرب طفلاً آخر. يقول مجيباً: لانه ضربني بعد أن ضربته". ففلسطين، وهي بدون جيش او بحرية أو سلاح جوي محتلة ومضطهدة من قبل احدى الدول الأكثر قوة في العالم، والمدعومة من قبل الأكثر قوة، ترفض كما يدعي نتنياهو أن تعترف بدولة اسرائيل اليهودية. (كيف ينسجم هذا المفهوم مع فكرة الديمقراطية، أمر لم يفسر أو يعلل لي على الاطلاق – الكاتب)، وهذا الأمر رئيسي للصراع. ومع ذلك، نرى اسرائيل وعلى مهلها، وبالرغم من السرعة المتزايدة، تقوم بضم كل فلسطين، وهدفها النهائي ابادة والغاء فلسطين وازالتها من الوجود، واستبدالها باسرائيل.

ومع انتخاب الفظ والأخرق ترامب كرئيس للولايات المتحدة، فانه لن يكون أي ادعاء بأن الولايات المتحدة وسيط محايد للسلام في الشرق الأوسط. فقد قال ترامب ان بإمكان إسرائيل أن تبني ما تريد  من المستوطنات، وكل مرشحيه السياسيين يؤيدون تدمير فلسطين، كما طلب من قبل اللوبيات الاسرائيلية الثرية والسخية، وبين هؤلاء المرشحين، رئيس منظمة الايباك (لجنة الشؤون السياسية الاسرائيلية العنصرية). بينما يظهر التصويت الأخير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التأييد العالمي لفلسطين. وربما، مجرد ربما، ومع وجود ترامب كرئيس، ستعترف بقية دول العالم، بأن عليها أن تعمل لصالح الشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من ان انتخاب ترامب يمثل كارثة للعالم، فقد يكون في هذا بادرة انفراج، اذا ما تم تحفيز المجتمع الكوني للعمل من أجل العدل في فلسطين.

*ملاحظة  : أخر كتاب لروبرت مانتينا هو إمبراطورية، عنصرية، إبادة جماعية :تاريخ السياسة الخارجية للولايات  المتحدة.

تعريب :هاني مشتاق

عن موقع كاونتربانش

 

ترجمات

استراتيجية اشتراكية لدحر ترامب
18 حزيران 2017 10:48

بقلم : كشاما ساوانت تصعيد المقاومة نحو وقف العمل في 8 آذار وأول أيار ! لقد اشعل دونالد ترامب وإدارة نادي أصحاب المليارات المتعصبين انفجاراً اجتماعياً لا يشبه أبداً أي است [ ... ]

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

"الشيوعي البريطاني": الانسحاب من الإتحاد الأوروبي خطوة لتعزيز الديمقراطية
21 تموز 2016 09:28

حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كا [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس