بقلم :وليام هوس

الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل الاعلام السائدة على إظهار الأمروكأن المعركة بين اولئك الذين يقفون على اليمين والذين يقفون على اليسارستكون بشكل رئيس على قضايا سياسات الهوية والأبعد من ذلك "حروب الثقافة" الأوسع. وهذا كلام سخيف، بالطبع. فبينما هو متعصب جاهل، فان الامتياز الحقيقي للرئيس ترامب لن يكون على الارجح معاداة أو اثارة الكراهية ضد الأقليات. فهو على الأصح ملتزم بمساندة النظام النيوليبرالي على حساب العالم كله تماماً مثل كلينتون.

ان خط الخلل والعيب الحقيقي يقع ما بين  اولئك الشجعان أصحاب الخيال الواسع الى الحد الذي يشبكون فيه الأيادي ويبنون اشكال جديدة للمجتمعات المسالمة والقابلة للحياة والبعيدة عن القهر والاكراه، و تلك النفوس المتلاطمة من الذين يؤمنون بانماط الماضي البالية والفاشلة وضحايا قرون كانوا خلالها بحاجة الى تعلم مبادئ المعرفة. فهناك أناس يرغبون في البقاء عبيداً للرأسمالية والتعصب الأعمى والحروب وهناك الذين يتوقون للتخلص من القيود.

وكما لاحظ الفين توفلر : "أحزابنا السياسية، بما أنها من طراز قديم في هيكلها كما في أيديولوجيتها، تبدو أشبه ما يكون بصورة المرآة الملطخة لكل طرف منها...جميعها، في الوقت الذي تناور فيه من أجل النفوذ والسلطة داخلها، هي في الاساس ملتزمة بالحفاظ على النظام الصناعي الميت".

هل هذه الأمور حقاً سيئة؟ وهل حضارتنا الصناعية حقاً تواجه خطر الانهيار؟ الأجوبة موجودة منذ بعض الوقت الان. ولندقق ونراجع "حدود النمو"للمبتدئين. وفي ما يلي ما كان خبير اسطوري آخر وهو باري كومونر يقول في عام 1971: "إن حكمي أو تقديري الخاص، القائم على الدليل الان، ان المسار الحالي للتفكك والانحلال البيئي... يمثل تحدياً للنظم البيئية الأساسية، وذلك خطير جداً، لانه إذا ما تواصل، فان البيئة ستفقد قدرتها على مساندة واعالة مجتمع إنساني متحضر".

لذلك، ان الانقسام الرئيس في ثقافتنا ليس بين الديمقراطيين والجمهوريين، انه بين  اولئك الذين يدركون ان مجتمعنا يجب أن يعاد بناؤه من الاسفل الى الاعلى، مقابل  اولئك الذين يرضون بالوضع الراهن، بالرغم من وضوح الكارثة الوشيكة القادمة.

وهناك المزيد من النقاط المشتركة مع  اولئك الذين يشاهدون أخبار قناتي MSNBC وفوكس أكثر من مشاهدتهم للاختلافات. فكلا البرنامجين مكرسين خانعين للعولمة والاستهلاكانية وثقافة الخوف ونظام اقتصادي مدمر للبيئة، وحرب لا نهاية لها، للاشراف والتحكم على امتداد العالم ونحو عنصرية بنيوية، وتجاهل اللامساواة والظلم المتصاعدين الى جانب جرائم قادتنا العالمية.

ان المنطق الاساسي وآداب السلوك والامانة الصحفية كلها تلاشت واختفت من الاخبار الرئيسية. ونهاية التاريخ حدثت بالنسبة لهم : فلم يعد هناك ما يمكن عمله إلا الترويج للنيوليبرالية والثناء على ما يدعى سلام امريكا: وهم ببساطة لا يزعجون أنفسهم بتلك الأشياء التي تدعى حقائق. انهم التجسيد العام للحماقة المؤسساتية، والخلاصات الصحفية لما هو سبب فشل أمريكا.

الليبراليون والمحافظون، والمواطنون والنخب متشابين، وهم مصابون بالعمى من خلال الأيديولوجيا، ومنهم من تقبل بسرور لغز وخدعة الحزبين دون تدقيق وتمحيص. وهؤلاء ميئوس منهم. كما ان الاتجاهين السائدين، الديمقراطيون والجمهوريون خاضعين ومستسلمين للدعاية، ومنوّمين "مغناطيسياً" ومسيطر عليهما من خلال الكتل الاعلامية الست التي تتحكم بـ90% من الاصدارات والمخرجات، وانهم غير مدركين لمدى انغماسهم في الجهل

وبينما كنت انا وعائلتي نشاهد المناظرة الثالثة الرئاسية، فقد اصبحت مصعوقاً ومصدوماً. وعقلي قد تاه مني واضطرب وضج بغمغمات مختلفة، عندها تذكرت كلمات هنري ملر : "هنا كل الحدود تتلاشى ويكشف العالم نفسه وكأنه مسلخ مجنون..الهواء بارد وآسن، واللغة نبوئية تحكي عن مصير العالم وقيام الساعة. وليس هناك أي مخرج لأي مكان".

ولن يكون سيئاً لو كانت انتخابات الولايات المتحدة هي الوحيدة المرتبة والمزورة. مزورة ومرتبة بمعنى اجبار الجمهور على الاختيار ما بين مرشحين غير مؤهلين ومجرمين، كلنتون او ترامب. وبدلاً من ذلك ان مجمل نظامنا الاقتصادي مزور . وان الصوت الذي تسمعه اذنك هو صوت الطغمة الحاكمة ومتملقيها، مرشدي العولمة المستقرين في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية...الخ. الذين يكنسون كل أرباح بلادنا، ويستغلون الدول النامية، مستخدمين برامج الخصخصة والتقشف لسلب كل القارات مقابل أجر ضئيل على الدولار: ان لحظات الصمت والتأمل، والتفكير النقدي، والشك وعذاب الضمير، من الصعب مرورها على النخب الكونية عندما يكونوا مشغولين في مراهناتهم وهياجهم ويمضون الساعات في الأندية الريفية وعلى يخوتهم ومتنقلين في طائراتهم النفاثة الخاصة والمهرجانات الخيرية والمؤتمرات الحكومية والتي لا تغير شيئاً، مختبئين في قصورهم منعمين ومعزولين في مجتمعات مغلقة، محاطين بحراسهم الحمقى لحمايتهم من جموع الرعاع.

وليس أمراً مفاجئاً او غير متوقع، في انقسام المعلومات المتعلقة بعمليات الولايات المتحدة الخاصة التي تمت الموافقة عليها على السمتوى العالمي وحروبها بالوكالة، والاعتداءات النيوليبرالية على الفقراء والأرض تتشكل وتتطور على امتداد الخطوط العالمية. والخط الفاصل ما بين الحقيقة والخيال غامض عن قصد في وسائل الاعلام في الولايات المتحدة. لكن المواطنين على مستوى العالم استيقظوا وأدركوا وقد سئموا من مثيري الحروب، ومن نفاق الولايات المتحدة ومواعظها حول حقوق الانسان والديمقراطية وكالأرواح الشجاعة المنتصبة على صخرة، سيشكل المواطنون على امتداد الكرة الأرضية حركات اجتماعية تقدمية على الأرض مستخدمة العمل المباشر. ويجب أن يكون تضامن الناس العاديين مع كل الشعوب والتحرر من الرأسمالية النهابة والعولمة الظالمة في قلب الأجندة. ويجب أن يتم تشجيع المبادرات العامة لتعليم الكبار في المدن وضد الطبيعة المدمرة لنظامنا الاقتصادي النيوليبرالي.

ان دونالد ترامب هو رئيسنا المنتخب، وقريباً سيكون الرئيس الخامس والاربعين. ولنترك ذلك يغرق وينهار. إننا نتخبط في طريق وعر . إن ترامب لن يحل مشكلاتنا الهيكلية في الاقتصاد المحلي أو في حقل السياسة الخارجية، وإنه لن يجابه الدولة العميقة: فمرشحوه للحكومة وفريق أمنه الوطني عرفوا، وانهم من أهل البيت والمضطلعين على بواطن الأمور، ومن الفريق الحقيقي للمخادعين. ولدينا ملياردير فاسد ونرجسي وسريع الانفعال ومعتل اجتماعياً والذي لا يستطيع النطق بجملة واحدة مترابطة منطقياً، ومع ذلك يستخدم وسائل الاعلام كأداة طيعة في يديه...رؤيته للعالم كأنجلو سكسوني وأبيض تقوم على تكريس ذاته بخنوع للرأسمالية والشهرة الشخصية، وهي من مخلفات النظام العالمي البائد.

إننا بالتأكيد نعيش في أوقات ممتعة ومثيرة للاهتمام. وعلينا جميعنا أن نبذل الجهود لتذكر تحذير غرامسكي "العالم القديم يموت، ونزاعات وصراعات العالم الجديد ستتوالد. والآن هو زمن الأشرار والوحوش".

تعريب :هاني مشتاق

عن موقع الكاونتر بانش

 

 

 

 

ترجمات

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

"الشيوعي البريطاني": الانسحاب من الإتحاد الأوروبي خطوة لتعزيز الديمقراطية
21 تموز 2016 09:28

حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كا [ ... ]

الفقر في أمريكا: الازمة المستفحلة
28 أيار 2016 07:15

بقلم:ديفيد روسن لقد وضع بيرني ساندرز، أحد المتنافسين على مقعد الرئاسة، قضية اللامساواة في قلب ومحور الإنتخابات الرئاسية لعام 2016. ومهما كان حجم المحاولة التي تقوم بها وسا [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

إضراب الحرية والكرامة
07 أيار 2017 08:11 - الحزب الشيوعي الأردني

لا يمكن النظر الى هذه المعركة على اعتبار أنها إضراب عن الطعام فحسب، بل هي معركة نضالية ومسيرة كفاح للشعب الفلس [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس