لا يمكن النظر الى هذه المعركة على اعتبار أنها إضراب عن الطعام فحسب، بل هي معركة نضالية ومسيرة كفاح للشعب الفلسطيني، هذه المعركة ابتدأت مع بداية الاحتلال الاسرائيلي عقب حرب حزيران 1967 حيث شهد سجن عسقلان 1970 أول اضراب جماعي سقط فيه أول شهيد أسير المرحوم عبد القادر أبو الفحم.

وتأتي أهمية هذه المعركة على اعتبارها خطوة متقدمة في النضال ضد الاحتلال. مرحلة تؤسس لما بعدها من أشكال المقاومة.

ولم تأت معركة الأمعاء الخاوية دون سابق انذار فقد تصاعد الارهاب ووسائل القمع غير الانسانية من قبل سلطات الاحتلال، بهدف كسر شوكة صمود هؤلاء المناضلين بعد أن صمدوا في معارك اخرى من الاعتقال والتعذيب والتحقيق الذي لم تشهد له البشرية الا في أقبية وزنازين الفاشية والنازية.

وحسب الجهاز الإحصائي في فلسطين “يوجد حوالي مليون حالة اعتقال منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين” وهي أعلى نسبة في العالم نسبة لعدد السكان. ولا يوجد قرار واحد لمجلس الأمن يتحدث عن إمكانية المحاسبة. وعندما يغيب العقاب يصبح المجرم أكثر شراسة وتوحشا، ومع ذلك تحول إضراب الجوع، أي تقديم المعتقل لسلامة جسده ونفسه قربانا إلى منهج نضال عبر سجون الاحتلال الصهيوني، يكسر حواجز الصمت والنسيان التي حاولت أجهزة القمع بناءها عبر التضييق والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية.

وقد نجح الأسرى الفلسطينيون خلال عقود من النضال، في تحويل سجون الاحتلال إلى مدارس للمقاومة والصمود. ولعل الانتصارات التي حققها الأسرى الفلسطينيون في ظل الانتفاضة الأولى، تشكل نبراسا لكل المناضلين من أجل الحرية في العالم.

وقد استفادت السلطات الإسرائيلية من تواطؤ الماكينة الإعلامية الغربية الواقعة تحت تأثير اللوبيات الموالية لها في السراء والضراء، فأسدلت جدار صمتها على نضال الأسرى ما استطاعت، وتشويه صورتهم باعتبارهم إرهابيين أو متطرفين. ورغم اعتقالها لنواب وأكاديميين وحقوقيين، ونساء وشيوخ وأطفال. من هنا يشكل إضراب الكرامة، تحديا ليس فقط للسجان الإسرائيلي، ولكن أيضا لأولك المتواطئين مع نظام الأبارتايد الإسرائيلي. وقد جاءت هذه المعركة في ظروف غاية الصعوبة والتعقيد على جميع الصعد :

فعلى الصعيد الصهيوني: تأتي هذه المعركة في ظل اشتداد التوجه اليميني المتطرف المتمثل في ائتلاف حكومة نتنياهو، والتي وجدت رصيداً قوياً لها في مجيء ترامب الى البيت الأبيض.

وعلى الصعيد الدولي: بنجاح ترامب ووصوله الى البيت الأبيض، ازدادت شهية اسرائيل في القتل والتعذيب والاستيطان غير آبهة لكل الشرائع الدولية والقوانين الإنسانية، واقترن ذلك بتزايد الهجمة الأمريكية على العديد من مؤسسات دولية وحقوقية بهدف الهيمنة على قرارها.

وعلى صعيد الوضع الفلسطيني: فإن الحالة مؤلمة للغاية حيث يتعمق الشرخ في الوحدة الوطنية الفلسطينية عقب الانقلاب العسكري الحمساوي عام 2007 وما نجم عنه من انعكاسات سلبية على مسار النضال الوطني الفلسطيني. واكثر من ذلك نجد أن الاوضاع العربية التي تمر بمرحلة صعبة تنعكس سلباً على مسار القضية الفلسطينية حيث لم تعد تحتل هذه القضية مكانها المركزي كقضية للشعوب العربية، وتراجع اهتمام النظام الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية، بل ان اختلالاً كبيراً قد حدث في التوازن العربي، ليس في صالح القضية الفسلطينية، وقد انتقل النظام الرسمي العربي من خندق تبني القضية الى خندق المشاركة في الحلف الامريكي الاسرائيلي بل حتى وصل الى حد التآمر عليها، وإنه لمن المؤسف أن نجد هرولة العديد من الدول العربية نحو التطبيع مع اسرائيل بدون ثمن، وازدادت وقاحة هذه الدول، الى حد الى تبني المطلب الاسرائيلي في الوصول الى مؤسسات دولية ذات أهمية كبرى مثل المنظمة القانونية في الأمم المتحدة وبمشاركة أربع دول عربية صوتت لصالح الطلب الاسرائيلي للانضمام الى هذه الهيئة الهامة ورغم هشاشة الوضع العربي، وانكفاء العديد من الدول الى القطرية أو انشغالها في محاربة المنظمات الارهابية والتكفيرية التي نصبت نفسها خصماً لقضايا الشعوب وفي المقدمة منها قضية شعب فلسطين وانحيازها السافر الى جانب الكيان الصهيوني كحليف لها.

وعلى الرغم من كل هذه المعطيات السلبية، قدم الأسرى الفلسطينيون الصامدون في زنازين الكيان الاسرائيلي انموذجاً نضالياً يؤكد صلابة الصمود والارادة والتحدي، ويوجهون من خلاله العديد من الرسائل :

رسالة الى السجان الاسرائيلي بأن كل أساليبه لن تثني عزيمة وإرادة شعب فلسطين ونضاله حتى ينال الحرية.

رسالة اخرى الى المنظمات والمؤسسات الدولية والإنسانية أن تأخذ دورها في لجم سياسة الأبارتايد الاسرائيلي على اعتباره أخر استعمار في العالم، رسالة واضحة للعدو الصهيوني بأن كلمة الجماهير الفلسطينية تلتقي مع كلمة الاسرى خلف القضبان، وتتوحد في كل الجهود وعلى كل المستويات.

رسالة من زنازين الصمود الى الشعب الفلسطيني مناشدة اياه الوحدة الوطنية اولاً وقبل كل شيء، إنها رسالة وحدة وطنية عملية، لوقف المناكفات والعمل بنية وطنية صادقة لانجاز الوحدة.

رسالة الى الشارع العربي (الجماهير) لتأخذ دورها في دعم صمود هؤلاء الأبطال ونتساءل في هذه الأوضاع المحلية والعربية والدولية الى أين تسير هذه المرحلة النضالية ؟

في ظل اتساع رقعة المشاركة في هذه الحركة، وتوافق الفصائل والقوى حيث انضمت العديد من قيادات الفصائل الى المعركة النضالية، لتؤكد على استمرارية مواجهة الاجراءات الصهيونية حيث تشن مصلحة السجون حرباً ضد الأسرى المضربين عبر العزل والنقل والتعذيب والارهاق الجسدي والنفسي لهم، في محاولة لكسر إرادتهم وثنيهم عن اضرابهم.

ان كل المؤشرات وبعد مرور 19 يوماً على معركة الأمعاء الخاوية فإنها قد حققت العديد من النتائج :

أولها : أن حكومة نتنياهو تعيش حالة من الهستيريا التي افقدتها أعصابها أمام معطيات الصمود الفلسطيني وانطلاقة الشارع الفلسطيني كسند رئيس لصمود الاسرى، وباتت حكومة نتنياهو تواجه حرجاً شديداً أمام الرأي العام العالمي الذي اتسعت دائرة تضامنه مع هؤلاء الاسرى، ومطالبة اسرائيل بتوفير متطلبات الحياة التي ينص عليها القانون الدولي.

وعلى صعيد الجماهير العربية فقد انطلقت الفعاليات الشعبية المساندة لحركة الأسرى الفلسطينيين، مؤكدة انه رغم الظروف والتعقيدات في الساحة العربية نتيجة التآمر الظلامي التكفيري المدعوم من أمريكا وأعوانها في المنطقة فان الجماهير العربية تؤكد من جديد استمرار النضال والتفافها حول قضية شعب فلسطين.

أما النظام الرسمي العربي فهو في حالة حرج شديد، تشعره بأزمة أمام الجماهير العربية الرافضة لهذا السكوت الرسمي الذي وصل الى حد التخاذل والتساوق مع الاطروحات الصهيونية والمخططات الامريكية.

نعم يمر الوضع العربي في مرحلة من الاضطراب السياسي والاجتماعي، وخاصة بعد مجيء ترامب الى البيت الأبيض وتوجه السياسة الأمريكية الى اعادة ترتيب الأوراق الأمريكية في المنطقة، انطلاقاً من رغبتهم في خلق محور إقليمي من عدة دول عربية تأخذ على عاتقها تبني السياسة الأمريكية والتوافق مع مصالح اسرائيل في المنطقة، وبهدف انهاء قضية شعب فلسطين!.

إن صمود الاسرى الفلسطينين واستمرارهم في حركتهم الوطنية حتى تتحقق لهم مطالبهم الانسانية المشروعة يتطلب زخماً وحراكاً جماهيرياً فلسطينياً للتأكيد على أن هؤلاء الأسرى ليسوا دون ظهر داعم لهم، وان الجماهير الفلسطينية ستسعى الى التأسيس والبناء على هذه الحركة كخطوة أولى تتلوها خطوات تصعيدية باتت بوادرها واضحة في انتفاضة فلسطينية ثالثة، سيما وقد تجسدت الوحدة الوطنية الفلسطينية من جديد في شعارات ومضامين حراكهم الفلسطيني في الداخل وفي الشتات.

صمود هؤلاء الأبطال وحتى يتحقق لهم كامل مطالبهم، يتطلب انهاء حالة الانقسام واعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية تجسيداً لما يتم في زنازين الاحتلال فقد بات مطلباً رئيساً تفعيل م.ت.ف وكافة مؤسساتها حتى تستطيع الصمود أمام كافة الضغوط التي تواجهها سواء من الأنظمة الرسمية العربية أو من الإدارة الأمريكية التي تسير في سياسة خلق واقع جديد يلبي طموحات الاحتلال الاسرائيلي، ومطلوب أن تجد الجماهير الفلسطينية سنداً داعماً لها في الشارع العربي الذي يجب أن ينعتق من آثار وتداعيات سياسات الأنظمة الرسمية العربية المتواطئة.

ونحن في الأردن معنيون أكثر من غيرنا، فنحن الأقرب بشرياً وجغرافياً، وتاريخياً في النضال الوطني الكفاحي المشترك بين الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني، وبحكم أن أمننا واستقرارنا مرتبط بالحالة الفلسطينية لدرجة التلازم في توفير الأمن والاستقرار وتحقيق الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة وفي المقدمة منها قيام دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس.

إن الدولة الأردنية وفي هذا الوقت بالذات كونها ترأس الجامعة العربية، مطالبة بأن تعمل على خلق موقف عربي موحد داعم لقضايا الشعب الفسلطيني، وتبني نضالاته وحقوقه في الأروقة الدولية .

وإن حكومتنا مطالبة بتبني مواقف سياسية تصب في خانة الدعم الفعلي والحقيقي لنضال الشعب الفلسطيني ورفض سياسة الغطرسة الاسرائيلية، ونحن معنيون بان نرى سياسة أردنية معبرة عن تطلعات جماهير شعبنا الأردني وفي مقدمتها رفض كل أشكال التطبيع مع اسرائيل، ورفض كل استحقاقات معاهدة وادي عربة، وخاصة العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية.

وختاماً فإن أحزابنا وقوانا الوطنية والتقدمية معنية بالاستمرار في الحراك التضامني مع أنصار الحرية والحق الفسلطيني، فهذا الاضراب فيه عودة للقوى المدنية والديمقراطية، وتبنيها للحقوق الشمروعة للشعب الفلسطيني رغم اغتيال العنف لطموحات الأشقاء في سوريا والعراق وليبيا واليمن، فهّمش الاقتتال الدامي بفعل الهجمة العدوانية التكفيرية الظلامية مدعومة من حلفائها الرجعيين واعوانها مكانة فلسطين وشعب فلسطين وحقوقهم الوطنية.

 

 

ترجمات

التواجد الأميركي في سورية
25 آذار 2017 12:23

أوردت العديد من وسائل الإعلام الأميركية الرائدة بما فيها صحيفة نيويورك تايمزفي تقاريرها الآن،  أن الولايات المتحدة الأميركية ترسل المزيد والمزيد من قواتها البرية إلى س [ ... ]

التسوية بين كيري ونتنياهو
05 شباط 2017 10:58

بقلم :روبرت فانتينا ة المزدوجة ضد إسرائيل، التي تتمثل من ناحية في قرار الأمم المتحدة الذين يدين النشاط الإستيطاني ويطالب بوقفه، ومن ناحية أخرى، في خطاب وز [ ... ]

الإنقسام العظيم
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :وليام هوس الان، وقد انتهت معركة الإنتخابات، أعداد هائلة من المواطنين بدأوا في فهم الانقسامات الخطيرة والمتنامية، وفداحة الأمراض المستفحلة في مجتمعنا.وتعمل وسائل  [ ... ]

ترامب :وجه جديد ولكنه من ذات التشكيلة القديمة
06 كانون1 2016 09:11

بقلم :روجر بويد العصر الحديث، يحتاج الأثرياء والمتنفذون قدراً هاماً من الرضا من قبل الأغلبية للنظام الذي يحمي ويعزز ثروتهم. ما دام هناك من المواطنين من يؤمن بأن قبول النظ [ ... ]

"الشيوعي البريطاني": الانسحاب من الإتحاد الأوروبي خطوة لتعزيز الديمقراطية
21 تموز 2016 09:28

حسم البريطانيون الجدل وقرروا بأغلبية الأصوات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك في الاستفتاء الذي  دعا اليه اليمين. وقد جاءت هذه الدعوة نتيجة لإجراء أخرق قام به ديفيد كا [ ... ]

الفقر في أمريكا: الازمة المستفحلة
28 أيار 2016 07:15

بقلم:ديفيد روسن لقد وضع بيرني ساندرز، أحد المتنافسين على مقعد الرئاسة، قضية اللامساواة في قلب ومحور الإنتخابات الرئاسية لعام 2016. ومهما كان حجم المحاولة التي تقوم بها وسا [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

إضراب الحرية والكرامة
07 أيار 2017 08:11 - الحزب الشيوعي الأردني

لا يمكن النظر الى هذه المعركة على اعتبار أنها إضراب عن الطعام فحسب، بل هي معركة نضالية ومسيرة كفاح للشعب الفلس [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس