شكل اعلان المصالحة الفلسطينية بين منظمة فتح وحركة حماس حدثاً هاماً. فقد كانت المصالحة مطلباً ملحاً للحركة الوطنية الفلسطينية بجميع فصائلها، كما كانت مطلباً لجميع القوى الوطنية والديمقراطية على الصعيد العربي.  فالانقسام كان ثغرة حادة في جدار اصطفاف القوى الوطنية الفلسطينية، تنفذ من خلالها القوى المعادية للشعب الفلسطيني ولنضاله الوطني ومطالبه العادلة.

وكان واضحاً ان القوى الصهيونية الحاكمة في اسرائيل كانت تبذل جهوداً محمومة للأبقاء على هذا الانقسام بمباركة امريكية واضحة.

وقد كان لهذا الحدث انعكاسات اهتزت لها الادارة الامريكية وحكومة نتنياهو، مما دفع الجانبين لاتخاذ اجراءات تعبر عن مدى غضبهم من هذه الخطوة. فقد اعلنت الادارة الامريكية تاجيل العمل من اجل المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية التي بذلت جهوداً محمومة لاحيائها ومتابعتها، وقام من اجل ذلك وزير الخارجية الاميركية، بما يزيد عن عشر زيارات للمنطقة بهدف: أولاً ضمان استمرار المفاوضات رغم انقضاء المدة المحددة لها مسبقاً، وثانياً لاعطائه فرصة كافية لوضع إطار التسوية الذي وعد بوضعه.

واطلق الامريكيون تهديدات واضحة للرئيس محمود عباس واتهموه انه اعطى أولوية للاتفاق مع الارهابيين "حركة حماس" على حساب السعي لايجاد تسوية للقضية الفلسطينية، وهددت واشنطن بوقف المساعدات المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية. اما الجانب الاسرائيلي فذهب الى ابعد من ذلك كثيراً، حيث اعلن وقف جميع الاتصالات مع السلطة الوطنية الفلسطينية ما عدا الاتصالات الامنية، مع ايقاف تحويل المستحقات المالية للسلطة الناجمة عن الضرائب والرسوم الجمركية. وتشن اسرائيل حملة واسعة ضد المصالحة الفلسطينية بحجة انها لا تعيق المفاوضات فحسب، بل انها تحول دون التوصل الى اي اتفاق او حل !!!.لأن حماس ضد الاتفاق من حيث المبدأ. ويتناسى حكام اسرائيل انهم توصلوا الى اكثر من اتفاق مع حماس من خلال الوسطاء، وكان آخرها الاتفاق الذي تم التوصل اليه بوساطة الرئيس المصري المعزول مرسي وقضى بوقف اطلاق الصواريخ من القطاع على اسرائيل!!.

والحقيقة ان القلق الامريكي من الخطوة الفلسطينية والمخاوف الاسرائيلية لا تتعلق كما يدعي الجانبان بموقف حماس من المفاوضات والتسوية بل هو يرتبط بتطورات عالمية هائلة ازاء القضية الفلسطينية. إذ برغم الانقسام الفلسطيني وضعف الموقف العربي فقد حققت القضية الفلسطينية مكاسب هامة كشفت عن تحول عميق في مواقف غالبية الدول الاعضاء في الامم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية.

وكان من اهم الانجازات الفلسطينية صدور قرار الامم المتحدة بتاريخ 29/11/2012 الذي يعترف بدولة فلسطين غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة. ويؤكد القرار رقم 67/19 الذي اتخذ بهذا الخصوص على ضرورة احترام حقوق الانسان الاساسية. وبالاشارة الى قرار الامم المتحدة رقم 181 تاريخ 29 تشرين الثاني 1947يؤكد على مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الاراضي بالقوة المنصوص عليه في ميثاق الامم المتحدة، ومع التأكيد على مبدأ المساواة في الحقوق وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

كما يشير القرار الى جميع قرارات مجلس الامن التي تطالب بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة، ويؤكد على اهمية تطبيق مضمون اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب، والذي ينطبق مضمونها على الاراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية. كما يطالب القرار بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار 194 بتاريخ 11/12/1948ووقف جميع انشطة الاستيطان في الاراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية. وقد حظي القراربموافقة وتأييد 138دولة وامتنعت عن التصويت 41 دولة بينما رفضته 9 دول فقط.

فقد كشف التصويت على هذا القرار مظاهر غاية في الاهمية، حيث انقسمت المجموعة الاوروبية الموحدة الى ثلاث مجموعات. فقد صوتت 14 دولة من دول الاتحاد الاوروبي مع القرار وعارضته 5 دول فقط. كما ان دولاً مثل اليابان والمكسيك صوتت لصالح المشروع، بينما كان لهذا الدور مواقف معارضة لعضوية فلسطين في منظمات الام المتحدة. وهكذا، رغم الجهود الامريكية التي بذلت لافشال القرار ورغم الحملة الاسرائيلية، ومع الانذار الامريكي للرئيس عباس الا انه تبين ان انعطافاً هاماً يتكون في داخل الامم المتحدة لصالح القضية الفلسطينية، وانه لم يعد بالامكان اغماض العين عن عدالة القضية الفلسطينية ويبدو جلياً ان تأثير عدالة القضية الفلسطينية يتغلب على العنجهية السياسية لاسرائيل وعلى التدخلات الامريكية المنحازة، وذلك رغم ضعف الموقف السياسي الفلسطيني وانقسام وتراجع الموقف العربي. فالتبدلات الواضحة على الصعيد العالمي تعمق عزلة اسرائيل وتهدد بتقليص الامكانات الاميركية في التأثير على صعيد الشرق الاوسط.

فمن الواضح ان الولايات المتحدة تبذل جهوداً محمومة لابقاء الملف الفلسطيني وملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في قبضتها، وذلك لاستخدام القضية الفلسطينية بتشعباتها واهميتها للمنطقة والعالم من اجل الدفاع عن مصالحها وعن دورها المحوري في الشرق الاوسط، وكذلك لحماية اسرائيل الذي اصبحت تجاوزاتها تعظم المعارضة العالمية لها.

ومن الملاحظ ان الخطة او الخطط الامريكية في محاولات التسوية والمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية تتغاضى كلية عن قرارات الشرعية الدولية، وتنسف الدور الأممي، وتستند بدلاً من ذلك الى معطيات امريكية قوامها تكثيف الضغوط على الجانب الفلسطيني والعربي من اجل المزيد من التراجع لحماية اسرائيل وحماية دورها السياسي والعسكري في المنطقة. ولا شك ان واشنطن حققت مكاسب على طريق فرض الدور الاسرائيلي في المنطقة من خلال العلاقات المعلنة او غير المعلنة للعديد من دول المنطقة مع تل أبيب.

ورغم ذلك، ورغم تبدل مواقف العديد من الدول العربية فان هذا الانعطاف في المواقف العربية لم ينجح في تكوين حالة من التفويض النهائي للولايات المتحدة للبت في القضية الفلسطينية. ومما يجدر الاهتمام به ان الحرص الامريكي الشديد والمبالغ فيه في محاولة فرض استمرارية المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية يأتي بالدرجة  الاولى جراء المخاوف من تطور الموقف العالمي من القضية الفلسطينية داخل الامم المتحدة وخارجها. اذ ان تطور الموقف الدولي بهذا الاتجاه يحمل مخاطر جدية للولايات المتحدة ولاسرائيل، وحتى لبعض الدول العربية التي تنصاع كلية للارادة الامريكية.

ومن هنا ندرك الاهمية الاستثنائية للمصالحة الفلسطينية، وللمكاسب التي يمكن ان تنجزها لصالح النضال العادل للشعب الفلسطيني.

ولا توجه المصالحة ضربة للقوى التي كانت تراهن على الانقسام فقط، بقدر ما تعطي دفعة حقيقية لوضع القضية الفلسطينية.

لقد قابل الشعب الفلسطيني وقواه السياسية المصالحة بالترحاب والتآييد، رغم انها جاءت متأخرة الا انها ولا شك ينتظر ان تعطي مردودها بفعالية زائدة.

لا نبالغ اذا قلنا ان هناك اوساطاً تبذل جهوداً لافشال المصالحة، كما ان اوساطاً وطنية لديها الكثير من الشكوك بامكانية نجاحها بالاستناد الى تجارب سابقة. ومن هنا فانه يتوجب العمل السريع لوضع مضمون المصالحة قيد التنفيذ، ولا سيما الخطوات الاساسية فيها وفي مقدمتها بث الحياة والنشاط في منظمة التحرير الفلسطينية والوقوف وراءها، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، باعتبارها الاداة الوحيدة للتعبير عن ارادة الشعب الفلسطيني. والسير في طريق الاجراءات من اجل الانتخابات للرئاسة والسلطة التشريعية. ان سرعة البت في الهيكل الوطني للسلطة الفلسطينية في اعقاب المصالحة، يعطي الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية دفعة قوية: اولاً، لتأمين اوسع تأييد عربي للنضال الوطني الفلسطيني ولدعمه اقتصادياً وسياسياً. ومن شأن مثل هذه الخطوة ان توجد امكانات افضل لتقارب بين الاطراف العربية على الاقل، على قاعدة الاشتراك في الضغط على اسرائيل على الصعيد الدولي وتقليص الضغوط الامريكية على العرب والفلسطينيين على حد السواء.

ان الاسراع في انجاز الخطوات الرئيسة في موضوع المصالحة من شأنه زيادة التأييد والتعاطف مع الشعب الفلسطيني وتسهيل تقديم المساعدات المالية والتنموية له. وبالمناسبة ان الاسراع في هذه الاجراءات يفسح المجال للسلطة الوطنية الفلسطينية ان تباشر العمل الجدي للاستفادة من الثروات الطبيعية وفي مقدمتها استثمار الغاز الموجود في شواطئ غزة، والذي تتخذ اسرائيل اجراءات تحول دون الاستفادة منه.

وبهذه المناسبة يجدر لفت الانتباه الى انه بسبب المخاوف من اعتراف الامم المتحدة بدولة فلسطين غير كاملة العضوية، لانها لا تزال تحت الاحتلال بذلت واشنطن وتل ابيب جهوداً لمنع الجانب الفلسطيني من استثمار هذا القرار على الصعيد الدولي.

ولذلك طلب من الجانب الفلسطيني عدم التقدم بطلب لدخول منظمات الامم المتحدة، التي من شأنها اتخاذ خطوات فعالة لحماية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة. ولذلك فان اعلان الرئيس الفلسطيني عن طلب الانضمام الى بعض منظمات الامم المتحدة، وقبول هذه المنظمات بهذا الانضمام والتي من بينها منظمات تدافع عن حقوق الانسان وحق تقرير المصير واتفاقية جنيف وغيرها، نقول ان الانضمام لهذه المنظمات يفسح مجالاً واسعاً للدفاع عن حقوق الاسرى والمعتقلين في السجون والمعتقلات الاسرائيلية ويضع حداً للتدخلات الامنية داخل اراضي الضفة والقطاع. ويضع حداً لعنجهية اسرائيل وعدوانيتها البربرية.

واننا نعتقد ان الالتحاق بالمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة واستخدام الحقوق المشروعة التي تبيحها انظمتها، من شأنه ان يوجه ضربة كبرى لاسرائيل.  فمن المعروف انه توجد حالياً حركة عالمية لمقاطعة الجامعات الاسرائيلية ولمقاطعة منتجات المستوطنات وغيرها. لذلك فانه عندما تؤخذ قرارات من محكمة العدل ومحكمة الجنايات الدولية، فان الصهاينة المجرمين سيرتجفون خوفاً، اذ من المعروف انه يمكن منعهم من دخول العديد من دول العالم.

وهكذا يتبين، ان المصالحة، واستثمار نتائجها ، والبناء على القرارات الدولية التي اتخذت في السنوات الاخيرة يشكل دفعة هامة للأمام للقضية الفلسطينية ولحركة التحرر العربي، رغم الصعوبات والانقسامات التي تعاني منها البلدان العربية، ورغم الهجمات الارهابية في اكثر من بلد عربي.

وتتحمل القيادات الفلسطينية مسؤولية كبيرة في الوقت الراهن، اولاً لجهة السير في تنفيذ عملية المصالحة ووضع مخرجاتها قيد التنفيذ، وثانياً وضع خطة شاملة للنهوض بالموقف الوطني الفلسطيني على الصعيدين العربي والدولي من خلال السير الجريء باتجاه هدف اقامة الدولة الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس وتأمين حق العودة. ونحن نؤكد ان مثل هذه الخطة ستواجه عقبات كثيرة، ولكن التصميم على تنفيذها من شأنه ان يدفع بمجمل النضال العربي خطوات كبيرة الى الامام.

 

ثقافة و فنون

زاهي حواس: الملك سليمان لم يكن فرعونا
07 أيلول 2017 07:44

 نفى عالم المصريات الشهير زاهي حواس، ما ورد في كتاب بريطاني جديد عن “فرعونية” النبي سليمان بن داود، واصفا ذلك بـ"الخزعبلات"، وقال “هذا الكلام ليس له اساس من الصحة، ولم  [ ... ]

باحث أنثروبولوجي: التطرف الإسلامي واليميني نتيجة تدمير العولمة للهوية
07 أيلول 2017 07:44

الثقافة والمجتمع رأى الباحث في علم الأنثروبولوجيا والاستاذ بجامعة أكسفورد،  سكوت أتران أن "العولمة، مع التطور السريع الذي واكبها، دمرت هوية الشعب المسلم وأحدثت ارتباك  [ ... ]

السلطة الفلسطينية تستأنف التنسيق الامني مع الاحتلال
07 أيلول 2017 07:43

رغم إعلان الرئيس الفلسطيني قطع كافة العلاقات مع الاحتلال، إلا أن مصادر إسرائيلية تؤكد أنه تم استئناف التنسيق الأمني بشكل غير علني. الصحفي الإسرائيلي في موقع “مونيتور”  [ ... ]

"الجارديان" البريطانية تتقلص الى حجم "التابلويد"
18 حزيران 2017 11:33

أعلنت المجموعة الإعلامية الناشرة لصحيفة الجارديان البريطانية، التوجه إلى طباعتها بحجم “تابلويد” بدءًا من العام 2018، لخفض التكاليف والإنفاق. وذكرت هيئة الإذاعة البريطا [ ... ]

المثقف التنويري الذي اغتاله المتطرفون مرتين
18 حزيران 2017 11:32

ظم المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة أمسية ثقافية بمناسبة مرور 25 عامًا على استشهاد المفكر المصري فرج فودة الذي اغتاله متطرفون من جماعة الإخوان المسلمين، بعنوان "فرج فودة حض [ ... ]

اكتشاف رواية مجهولة لـ طه حسين
07 أيار 2017 08:58

تم مؤخرا اكتشاف رواية مجهولة لعميد الأدب العربي  طه حسين بعنوان "خطبة الشيخ" والتي نشرت في عام 1915 على حلقات في  مجلة  "السفور" المصرية حسب ما ذكره رئيس مجلس إدارة دار الكتب  [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس