بقلم : باتريك كوكبيرن

لا شك أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعتبر رجل العام في الشرق الأوسط، لكن تأثيره الكبير ينجم والى حد كبير عن اخفاقاته أكثر من نجاحاته. وقد وجه له الاتهام بأنه كان مكيافيللي في اخلاء طريقه الى العرش من خلال التخلص من الخصوم داخل وخارج العائلة المالكة. ولكن، عندما يصل الامر الى موقع العربية السعودية في العالم فان اخطاءه في التقدير تذكر الانسان بالقليل من خدع ومناورات ميكافيللي والكثير من غلطات المفتش كلوسو المضحكة. "مسلسل فرنسي".

مرة بعد مرة، ركب الأمير الصغير المتهور والمتقلب على المغامرات والمجازفات خارج البلاد والتي حققت عكس ما كان ينوي بالضبط. فعندما أصبح الاب ملكاً في اوائل عام 2015، قدم دعماً لهجموم المتمردين في سوريا والذي حقق بعض النجاح ولكن حرض على تدخل عسكري روسي شامل، والذي بدوره قاد الى انتصار الرئيس بشار الاسد. وفي نفس الوقت تقريباً شن محمد بن سلمان تدخلاً عسكرياً مسلحاً، وفي اغلبه من خلال الغارات الجوية، في الحرب الأهلية في اليمن. وقد سميت العملية بعاصفة الحزم، ولكن بعد سنتين ونصف، لا زالت الحرب مستمرة، مما ادى الى قتل عشرة آلاف شخص ونقلت على الأقل سبعة ملايين يمني الى حافة المجاعة.

وركز ولي العهد السياسة السعودية الخارجية على المعارضة العدوانية لإيران وحلفائها الاقليميين، ولكن نتيجة سياساته كانت زيادة تأثير ونفوذ ايران. كما ركز على التعادي والضغينة مع قطر، حيث لعبت السعودية والامارات العربية دوراً رئيساً فيه، مما قاد الى حصار فرض منذ شهور والذي لا زال متواصلا. وكانت اساءة القطريين قد تمثلت في تقديم الدعم للحركات التي لها طابع القاعدة – وهو اتهام حقيقي بما فيه الكفاية ولكنه قد يوجه على نفس الدرجة للعربية السعودية – اضافة الى العلاقات مع ايران. وكانت النتيجة الصافية للحملة المناهضة لقطر دفع الدولة الصغيرة ولكنها الثرية بشكل خرافي الى احضان ايران.

اما العلاقات السعودية مع الاقطار الاخرى،  فهي كعهدها من قبل محافظة وحذرة، وتهدف الى الحفاظ على الوضع القائم. الا أن سلوكها في الوقت الحاضر يتصف بالتملق والحماقة، ويصعب التنبؤ به وغالباً ما يكون معوقاً لبلوغ الهدف. وما يشهد على ذلك الحدث الغريب والشاذ الذي وقع في تشرين الثاني عندما استدعي رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الى الرياض، ولم يسمح له بالمغادرة واجبر على الاستقالة. والهدف من هذا العمل البعيد عن التقدير الجيد من الطرف السعودي كان من الواضح لأضعاف حزب الله وايران في لبنان، ولكنه أدى عملياً الى تمكين وتعزيز تأثيرهما.

كل هذه الأفعال والاجراءات السعودية تشترك في انها تستند الى فرضية بسيطة وساذجة بأن " أفضل سيناريوهات الحالة" سيتحقق حتماً. وحيث لا يوجد هناك "خطة ب" ويوجد القليل من "خطة أ" الا أن السعودية ببساطة تعمل باستمرار على الدخول في صراعات ومواجهات، لكنها لا تعرف وضع نهاية لها. ويبدو أن محمد بن سلمان ومستشاريه يتخيلوا بانه ليس مهماً كيف يفكر اليمنيون والقطريون او اللبنانيون لان الرئيس دونالد ترامب وكوشنير، زوج ابنته والمستشار في شؤون الشرق الأوسط، يقفان بحزم الى جانبهم "لدي ثقة عظيمة بالملك سلمان، وولي عهد العربية السعودية، وهما يعرفان بدقة ما يقومان به". هذا ما كتبه ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي في أوائل تشرين الثاني وبعد ان تم احتجاز 200 شخصية من النخبة السعودية. وقال "هؤلاء الذين عوملوا بقسوة قاموا "بحلب" بلدهم لسنوات !" وقبل هذا كان قد كتب على وسائل التواصل أنه يؤيد ويدعم محاولة عزل قطر على اساس أنها ممول وداعم "للارهاب".

لكن السعودية تعلم بأن هذا الدعم والتأييد من البيت الأبيض في هذه الأيام يجلب من الفوائد والمصالح ما هو أقل من الماضي. ومدى اهتمام وانتباه ترامب معروف بأنه رديء السمعة، وان انشغاله الكامل ينصب على سياسات الولايات المتحدة الداخلية، وأن موافقته لا تعني بالضرورة موافقة الاطراف الاخرى في حكومة الولايات المتحدة. وقد ترفض وزارة الخارجية او وزارة الدفاع (البنتاغون) آخر ما كتبه ترامب على وسائل التواصل وتعملان على تجاهله او الدوران حوله والمراوغة. بالرغم من ما كتبه وكان ايجابياً : الولايات المتحدة لا تساند المواجهة السعودية مع قطر او محاولة اجبار الحريري على الاستقالة.

من جانبه، يكتشف البيت الأبيض ويتحقق من قصور ضعف نفوذ السعودية. ولم يكن محمد بن سلمان قادراً على اقناع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقبول خطة السلام التي رعتها وكفلتها الولايات المتحدة والتي تعطي الكثير الكثير جداً لإسرائيل و القليل جداً للفلسطينيين. وفكرة التحالف السعودي – الاسرائيلي السري ضد ايران قد تبدو جذابة لبعض مراكز الابحاث في واشنطن، ولكنها غير مفهومة او معقولة على ارض الواقع. وافتراض ان اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لاسرائيل والوعد بنقل السفارة الى هناك، فاقد للنتائج طويلة الأمد على المواقف في الشرق الأوسط وقد بدأ يبدو مقلقاً وآيل الى السقوط.

انها العربية السعودية – وليس خصومها – التي تصبح معزولة. وان ميزان القوى السياسي في الاقليم تغير الى ما يتعارض مع مصالحها على امتداد العامين الماضيين. ومن الأمور التي سبقت صعود محمد بن سلمان : بحلول عام 2015 صار من الواضح ان المجموعة التوافقية من الدول السنية بقيادة العربية السعودية وقطر وتركيا فشلت في تحقيق تغيير في النظام بدمشق.

وقد تشظى هذا التجمع القوي وانتقلت تركيا وقطر لتصبحان على مقربة من محور ايران المدعوم من روسيا، والذي يمثل القوة المهيمنة على هذا الجزء من الشرق الاوسط، والواقع ما بين افغانستان والبحر الابيض المتوسط.

وإذا أرادت الولايات المتحدة والعربية السعودية ان تفعلا أي شيء حيال التحالف الجديد، فقد تأخرنا كثيراً. والدول الاخرى في الشرق الاوسط توصلت الى أن تعترف وتقر بأن هناك فائزون وخاسرون وليست لديها الرغبة في ان تكون على الجانب الخاسر. وعندما دعا الرئيس اردوغان الى اجتماع عقد في اسطنبول لمنظمة التعاون الاسلامي، والتي ينتمي اليها 57 دولة اسلامية، لرفض وادانة قرار الولايات المتحدة حول القدس، ارسلت العربية السعودية ممثلاً من المرتبة الادنى الى هذه المنظمة التي تحتضر ولكن قادة دول مثل الرئيس الايراني حسن روحاني والملك عبدالله وامير الكويت وأمير قطر، كانوا من بين الكثيرين الذين حضروا. وقد اعترفوا بالقدس كعاصمة لفلسطين وطالبوا الولايات المتحدة بالتراجع عن قرارها.

ان محمد بن سلمان يسير على خطى القادة التقليديين على امتداد العالم الذين يظهرون مهارات ميكافيللية لتأمين السلطة والنفوذ داخل بلدانهم. الا ان نجاحهم داخلياً يعطيهم شعوراً مبالغاً فيه من ناحية قدرتهم الخاصة في التعامل مع الشؤون الخارجية، وهذا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة. وصدام حسين كان ذكياً في امساكه بالسلطة في العراق، لكنه دمر بلده من خلال البدء في حربين لم يستطع الفوز بهما.

ان الاخطاء التي يرتكبها القادة الاقوياء غالباً ما تعلل من خلال نرجسيتهم وجهلهم والاستماع الى نصيحة منافقة، ولكن خادعة ومضللة من كبار موظفيهم.

والخطوة الأولى من تدخل خارجي غالباً تكون مغرية لأن القائد يستطيع تقديم نفسه كحامل للراية الوطنية، مبرراً احتكاره للسلطة في الوطن. ومثل هكذا موقف وطني فانه بمثابة الطريق المختصر للشعبوية، ولكن هناك على الدوام فاتورة سياسية يجب دفعها اذا ما انتهت المواجهات والحروب بالاحباط والاندحار.

ان محمد بن سلمان قرر، بطيش وحماقة، ان العربية السعودية عليها ان تقوم بدور أكثر فعالية وجرأة في الوقت الذي تنحسر فيه قوتها السياسية والاقتصادية. انه يبالغ في دوره مما يؤدي الى بروز الكثير جداً من الاعداء.

 

تعريب : هاني متشاق

عن موقع الكاونتربنش

اقتصاد

الموازنة والسياسة الاقتصادية !
02 كانون2 2018 09:16

تعتبر الموازنة العامة، الخطة السنوية للدولة من الناحية المالية أولاً، ومن الناحية الاقتصادية في العديد من الأوجه والقطاعات. ولأسباب موضوعية معروفة تعمق النقاش حول مواز [ ... ]

ارتفاع تحويلات العمالة الوافدة
07 أيلول 2017 07:31

ارتفعت حوالات العمالة الوافدة في الأردن الى بلدانهم بنسبة 21.3% في الربع الأول من العام الحالي مقارنة مع مستوياتها في ذات الفترة من العام الماضي وقد زادت حوالات العمالة الو [ ... ]

تراجع الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة
07 أيلول 2017 07:31

كشفت تقارير صحافية في المانيا تراجع مجموع استثمارات الشركات الأجنبية في الولايات المتحدة منذ تولي دونالد ترامب مهام منصبه. وكتبت مجلة "فيرتشافتس فوخة" الألمانية استنادا [ ... ]

مأزق المديونية في الأردن !
07 أيلول 2017 07:30

يواجه الأردن أزمة حقيقية وخطيرة جراء ارتفاع معدل المديونية المرتفع، علماً أن المديونية أخذت أبعاداً متعددة تهدد البلاد إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً. فقد بلغ اجمالي ال [ ... ]

اصلاح القطاع العام والقضاء على الفساد
07 أيلول 2017 07:29

بعيدا عن الخوض في تقييم مقابلة رئيس الوزراء هاني الملقي في برنامج ستون دقيقة سواءكانت موفقة في إيصال الرسائل التي أراد دولته أن يوصلها أم لا ... إلا أن ردود الفعل الواسعه م [ ... ]

الركود يشل الاقتصاد الوطني !
29 تموز 2017 08:24

تبذل الحكومة جهوداً ملموسة لإقناع الناس بأن الأمور الإقتصادية تسير بالاتجاه الصحيح، وتستخدم في هذا الصدد مجموعة من المؤشرات والتي أهمها معدل النمو البالغ 2.2% خلال الربع  [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

إجماع شعبي على عدم التفريط بالقدس
02 كانون2 2018 08:49 - الحزب الشيوعي الأردني

تفجر الغضب الأردني على موقف الرئيس الأمريكي من القدس، وشمل جميع المحافظات والمدن والعديد من القرى والأندية و [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس