تواصل الدبلوماسية الروسية جهودها الحثيثة للتوصل الى وقف ثابت لإطلاق النار يشمل الجماعات المسلحة التي تبدي إستعداداً لإلقاء السلاح والإنخراط في المسار السياسي، دون أن ينسحب ذلك، بطبيعة الحال، على المنظمات المصنفة إرهابية وفي مقدمتها "داعش" و "فتح الشام" ومن يلتحق بهما من الجماعات المسلحة، الأمر الذي ينزع بعض الذرائع التي طالما تمسكت بها الجماعات المسلحة للإعتراض على مسار جنيف والإمتناع عن الإلتحاق به، وحتى عندما التحقت باحدى جولاته، فقد أبدت من الشروط التعجيزية ما أفضى في نهاية المطاف الى تعطيله.

الإقرار المتزايد من جانب الجماعات المسلحة بأن التسوية السياسية، هي السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة السورية والاستعداد للدخول في حوار جاد مع الحكومة السورية يستهدف تطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، لم ينضجا لدى طيف واسع من المعارضة السياسية أو المسلحة داخل سوريا وخارجها، إلا بعد أن تعرضت لسلسلة من الهزائم العسكرية الموجعة، والتي كان من أبرزها الهزيمة التي لحقت بها في الأحياء الشرقية من مدينة حلب، التي جرى تقييمها على نطاق واسع بأنها ـــ  أي الهزيمة ـــ  تشكل منعطفاً شديد الأهمية في مسار الأزمة السورية.

فتحرير الأحياء الشرقية من حلب وإنهاء التواجد المسلح والإرهابي فيها، وتبخر رهان المجموعات المسلحة والارهابية وداعميهم في السيطرة على كامل المدينة والريف المحيط بها لتحويلها الى رأس جسر للانقضاض على العاصمة دمشق، والشروع في تنفيذ مشروعهم السياسي اللاوطني، منح روسيا الفرصة المواتية لبلورة اقتراح بعقد لقاء في العاصمة الكازاخية  أستانة يضم للمرة الأولى، ممثلين عن الجماعات المسلحة الفاعلة داخل سوريا الى جانب ممثلين عن الحكومة السورية، بعد أن أجرت الخارجية الروسية المشاورات اللازمة، أولاً مع حلفائها في مجابهة الإرهاب على الأرض السورية - الحكومتان السورية والإيرانية -  وثانياً مع الحكومة التركية التي باتت تبدي إستعداداً متزايداً للتنسيق مع روسيا لضمان مصالحها في سوريا المتمثلة في منع إنشاء كيان للكرد على حدودها الجنوبية مباشرة، وضمان دور لها في الشأن السوري. وبدون التوافق الروسي – الإيراني – التركي ومن خلفه أو بموازاته التوافق السوري – الروسي، لم يكن متخيلاً أن ترى المبادرة الروسية النور .

نجاح المبادرة الروسية التي أصبحت مبادرة – روسية – إيرانية – تركية مشتركة بعد موافقة الأطراف الثلاثة على توجيه الدعوة للمشاركين في اللقاء بأسمها وإبداء الاستعداد لضمان الاتفاقات التي ستتمخض عن اللقاء في جمع ممثلي الحكومة السورية مع ممثلي مجموعات مسلحة في قاعة واحدة، يضفي مزيداً من المصداقية على أن التوجه الاستراتيجي لروسيا كان وسيظل اعتماد التسوية السياسية حصراً للأزمة السورية. كما أن مسارعة الحكومة السورية للموافقة على المبادرة الروسية، وبذل أقصى الجهود لإنجاحها يؤكد أن سوريا متمسكة أيضاً بهذا الخيار الاستراتيجي . برر لقاء أستانة الآمال التي عُلقت عليه. فالأطراف المشاركة فيه توافقت على تثبيت وقف إطلاق النار، وإيجاد آلية ثلاثية لمراقبته.

ومع ذلك، فإن البعد العسكري لا ينفصل عن البعد السياسي، على أمل ان يكون تثبيت وقف إطلاق النار بحد ذاته مدخلاً لحوار سياسي قد يسفر، وقد لا يسفر عن نتائج.

التوافق الذي توج به لقاء أستانة، لا يعني أنه لم يكن هناك لحظات خيّم فيها التوتر على بعض جلسات اللقاء. فالطرف التركي لم يكن مخلصاً لما تم التوافق عليه مع الطرفين الضامنين الاخرين للقاء. فهو حاول القفز الى نقاط ما بعد وقف اطلاق النار ومحاربة المجموعات المسلحة، متوخياً بحث مطالب الجماعات المسلحة، بتحديد طبيعة الحكم والحل السياسي وتشكيل الحكومة والمرحلة الإنتقالية. لكن وأمام صلابة الموقف السوري الرسمي ومساندة الجانب الإيراني، تم اقتصار الحديث على الجانب العسكري فقط وتفويت الفرصة على الجانب التركي والجماعات المسلحة التي تحظى برعايته ودعمه على تغيير جدول أعمال اللقاء ومقايضة الموافقة على تثبيت وقف اطلاق النار بانتزاع تنازلات في قضايا مجال بحثها طاولة الحوار في جنيف بمشاركة اطياف المعارضة السياسية والعسكرية المستعدة للانخراط في هذا المسار السياسي والدبلوماسي الذي يحظى بتوافق دولي واسع. الأمر الجوهري الذي تمخض عنه لقاء ال أستانةيتمثل في أن اللقاء بحد ذاته قد دشن مرحلة الانفصال بين الجماعات المسلحة والجماعات الارهابية، ممثلة في "داعش" و "فتح الشام".  وهو ما كانت تطالب به سوريا وروسيا وإيران على الدوام.

التفكيك وإعادة التركيب

ما أن انفض لقاء الأستانة، وعاد ممثلو الجماعات المسلحة الى قواعدهم حتى اندلعت في مناطق سوريا الشمالية اشتباكات متفاوتة الحدة بين الجماعات المسلحة التي شاركت في لقاء الأستانة وبين المجموعات الإرهابية التي رفضت مسار أستانة، بقيادة "فتح الشام" التي  أيقنت أن المناخ المتولد عن لقاء الأستانة محفوف بأوخم العواقب، وأن الهجوم على مواقع الجماعات المسلحة التي شاركت في لقاء آستانة، وأبدت الاستعداد للإنخراط في عمليات مكافحة الجماعات الإرهابية التي لا تعني سوى "فتح الشام" الى جانب "داعش"، هو أفضل وسيلة للدفاع عن نفسها.

وفي خضم الصراع الآخذ في التصاعد بين المجموعات الإرهابية والمسلحة في الشمال السوري حدثت ولا زالت تحدث بينها وفي داخلها تصدعات وانشقاقات واعادة إصطفاف.

فقد انسلخت عن حركة أحرار الشام التي لم تفصح عن موقف محدد من نتائج لقاء آستانة، وإن كانت قد أعلنت قبيل التئامه عن الترحيب به إذا ما توصل الى نتائج طيبة، الجماعات والقيادات التي تنتمي الى التيار القاعدي (نسبة الى تنظيم القاعدة)، وانحازت الى فتح الشام، التي شكلت مع أربع مجموعات هي حركة نور الدين الزنكي، جبهة أنصار الدين، جيش السنة، لواء الحق، ما أطلقت عليه هيئة تحرير الشام.

ومن اللافت أن من بين هذه المجموعات فصائل طالما راهنت عليها تركيا، وكانت تصنفها في عداد الجماعات المعتدلة، ومن هذه الجماعات حركة نور الدين زنكي. وان هذه الإنسلاخات وإعادة الاصطفاف بين المجموعات المسلحة والإرهابية على أرضية الموقف من مسار التسوية السياسية يؤكد أهمية لقاء  أستانة والنتائج التي تمخض عنها. لا سيما أن الصدام المسلح بين هذه الفصائل والمجموعات يعكس الخلافات القائمة بين الدول الداعية والداعمة لها، وخاصة بين تركيا من جهة، وكل من السعودية وقطر من جهة أخرى.

ورغم الهدنة التي أعلنها الزعيم الجديد لهيئة تحرير الشام المدعو هاشم الشيخ وهو مسؤول سابق في حركة أحرار الشام الموالية لتركيا، وانشق عنها في منتصف كانون الأول الماضي، إلا أن عملية التفكيك واعادة التركيب لا زالت جارية، وهناك مزيد من المجموعات والقيادات الاسلامية المتطرفة والارهابية تعلن عن الانضمام الى هيئة تحرير الشام، في حين تسعى حركة أحرار الشام والفصائل المؤيدة لها الى تشكيل اطار نقيض أو موازٍ تحت إسم جبهة تحرير سوريا.

ولا يبدو أن حروب الالغاء او التصفية التي تخوضها جماعات إرهابية وأصولية متطرفة ضد جماعات أخرى على خلفية الموقف من لقاء  أستانة ونتائجه ستتوقف، ما لم يتراجع أحد الطرفين عن مواقفه، فإما تسلِّم جبهة "فتح الشام" بالهزيمة وتلقي السلاح، وهذا أمر مستبعد تماماً، وإما أن 

تتراجع الجماعات التي شاركت في لقاء  أستانة عن المسار الذي رسمه، وسيتم تصنيفها في هذه الحالة إرهابية، وسيسري عليها ما يسري على جبهة "فتح الشام" و "داعش". وفي هذه الحالة ستعود الأمور الى المربع الأول ويتبخر بعض الأمل الذي وفره مسار  أستانة بإعطاء زخم لجهود البحث عن تسوية سياسية تكفل حقن دماء السوريين بتنفيذ قرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار رقم 2254 في إطار مؤتمر جنيف.

المسودة الروسية للدستور السوري

استغل الجانب الروسي فرصة وجود قيادات للجماعات السورية المسلحة في أستانة، وقام بتسليمهم نسخة من مسودة دستور أعدته مجموعة الخبراء الروس بعد مشاورات مع الحكومة السورية وأطراف سورية معارضة. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الكشف بصورة معلنة عن وجود مسودة مشروع دستور يعكف على اعدادها خبراء روس.

ما يلفت الانتباه في المسودة المقترحة على الطرفين الحكومي والمعارضة، أنها تتضمن مواداً إشكالية، كما أنها تفتقر الى مواد يجب أن لا يتم تغييبها، من قبيل تحديد هوية الدولة السورية، وهذه مسألة شديدة الأهمية ولا يجوز أن تغيب عن ذهن فقهاء الدستور الروسي. الا إذا كان الدافع لذلك هو ترك تحديد هذا الأمر للمشرعين السوريين أنفسهم الذين سيتولون هم صياغة مشروع دستور سوريا. وفي هذا السياق أحسن الدبلوماسيون الروس صنعاً بالتوضيح أن مسودة الدستور المقترحة هي عبارة عن مجموعة أفكار ونقطة إنطلاق للنقاش. وبالتأكيد على أن "السوريين يقررون كل شيء" وإن المشروع "ليس اجبارياً، وليس "خطة عمل ثابتة".

ونفت الناطقة بلسان الخارجية الروسية أن يكون الحديث عن تكرار لتجربة بريمر في العراق. وقد تبنت الموقف نفسه تقريباً كل من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع الروسيتين.

وتابعت زاخاروفا "أن روسيا لا تحاول فرض شروط للتسوية أو دستور أساسي جديد على السوريين. ننطلق من أن الشعب السوري يجب أن يحدد مستقبل سوريا بنفسه. ونبذل كل ما في وسعنا لتطبيق هذا الموقف، لإن السوريين وحدهم قادرون على الحفاظ على وطنهم كدولة موحدة ذات سيادة متعددة الأثنيات والطوائف".

 وعندما يكون الحديث عن مثل هذا الموضوع الحساس من قبل أجهزة على هذه الدرجة من الأهمية ومسؤولين رفيعي المستوى فيها، فالمجال يضيق أمام أي تفسيرات مغرضة.

إن تصريحات كبار المسؤولين الدبلوماسيين والعسكريين الروس تبعث على قدر من الطمأنينة حيال مقاصد روسيا من وراء إعداد مسودة الدستور السوري. ولا نعتقد أن جملة المواقف الروسية من الأزمة السورية والتي توجت بالانخراط عسكرياً وبشكل مباشر في الدفاع عن سوريا وسيادتها ووحدة أراضيها، تسعى للتدخل بمثل هذا الشكل السافر في تحديد طبيعة الدولة السورية وهويتها، وشكل الحكم فيها، وهو ما يشكل تناقضاً صارخاً مع التزاماتها المعلنة باحترام سيادة الدول واستقلالها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما انها استندت الى هذه المبادئ بالذات في مواجهة شتى أشكال الضغوط ومحاولات التدخل الغريبة في الأزمة السورية.

المناطق الآمنة

قرار الرئيس الأمريكي الجديد بتكليف وزارتي الخارجية والدفاع بتقديم دراسة تتعلق بإنشاء مناطق آمنة في الأراضي السورية تضم النازحين من مناطق غير آمنة، شكل احدى مفاجآت الإدارة الأمريكية الجديدة. وقد حظي هذا القرار بردود فعل متباينة. ففي حين رحبت به كل من تركيا وقطر، إنسجاماً مع موقفهما القديم، أبدت روسيا تحفظاً واضحاً، وطالبت الإدارة الأمريكية بالتمعن في العواقب التي ستنجم عن تنفيذ مثل هذا القرار.

طبعاً، قد تقدم هذه الإدارة، التي لا أحد يستطيع التكهن بما يمكن أن تقدم عليه من خطوات أو مفاجآت غير متوقعة، إلا أن الواقع القائم في سوريا بات ينطوي على تفاصيل تجعل من إقامة مثل هذه المناطق الآمنة أمراً غير قابل للتحقيق موضوعياً. فقرابة 85% من المواطنين باتوا يقيمون في مناطق تخضع لسيطرة الدولة السورية. أما المناطق الخارجة عن نطاق سيادة الدولة السورية فتسود فيها أوضاع لا يمكن أن توصف بانها آمنة،لأنها تشهد أو مرشحة لتشهد صراعات دامية بين الجماعات الارهابية والمسلحة. كما يحتاج تأمين الأمن لهذه المناطق، حتى ولو تم العثور عليها، الى قوات عسكرية برية وجوية، ثمة سؤال مشروع حول جنسيتها. فهل ستكون أمريكية ؟ وهو أمر مستبعد في ضوء إنشغال الإدارة الأمريكية بمشاكلها الداخلية. وفي ضوء تناقض هذه الفكرة مع المسعى المعلن الى تنسيق الجهود مع روسيا لمواجهة الارهاب الداعشي.

نميل أكثر الى الرهان على أن خبراء الإدارة الامريكية سيكتشفون صعوبة تطبيق هذا الطموح غير الواقعي للإدارة، وسيضعون أياديهم على الوقائع التي دفعت إدارة اوباما الى عدم الاستجابة لإلحاح الحكومة التركية على إقامة هذه المناطق في ظل ظروف كانت أفضل بما لا يقاس من الاوضاع القائمة حالياً، والتي شهدت تبدلاً جذرياً بعد الإنتصار المدوي في حلب، ونجاح لقاء  أستانة الذي أكد، فيما أكد، إستدارة تركيا باتجاه التسوية السياسية للأزمة السورية.

عربي و دولي

خمسون عاماً من النضال لإزالة آثار العدوان !
19 حزيران 2017 08:06

ما يميز شعوب المنطقة العربية عن الأنظمة القائمة فيها، أن الشعوب لم تستسلم ولم ترفع الرايات البيضاء، وانطلقت بحسها العفوي تطالب الرئيس جمال عبد الناصر سحب استقالته التي أ [ ... ]

قطر...إنحسار الدور وتآكل النفوذ
19 حزيران 2017 08:05

فجأة، تحولت قطر الى دولة منبوذة يتوجب تأديبها بوسائل المقاطعة والحصار البحري والبري والجوي، وقطع العلاقات الدبلوماسية معها، وبإجراءات أخرى طالت المواطنين القطريين ومو [ ... ]

الأحزاب الشيوعية واليسارية أراء ومواقف
19 حزيران 2017 08:04

الشيوعي المصريالشيوعي المصري إقرار البرلمان المصري لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية، الشهيرة إعلاميا باتفاقية تيران وصنافير. وقال الحزب في بيان ل [ ... ]

تظاهرات إسرائيلية تأييداً لحل الدولتين: الداخل الإسرائيلي يضجّ من تطرّف اليمين!
19 حزيران 2017 08:03

تزامناً مع اقتراب الذكری الخمسين لاحتلال ما بعد حدود العام 1967، وفي حين كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتمد سلسلة من القرارات التي من شأنها مواصلة تعزيز تهو [ ... ]

ترامب يتراجع عن تطبيع العلاقات مع كوبا
19 حزيران 2017 08:03

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة 16 حزيران الجاري، إلغاء سياسة سلفه باراك أوباما فيما يتعلق بتطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، موجها دعوة الى السلط [ ... ]

تقدم مهم لـ "العمال البريطاني" بقيادة كوربين بفضل برنامجه المناهض لليبرالية الجديدة...
19 حزيران 2017 08:02

أحدث تقدم ملحوظ لحزب العمال البريطاني في إنتخابات مجلس العموم التي أعلنت نتائجها الأسبوع الماضي هزة سياسية سيترتب عليها تبدل في الخريطة السياسية البريطانية والأوروبية.  [ ... ]

مقالات اخرى

تحلـيـل إخبــاري

الحصاد المر لجولة ترامب !
18 حزيران 2017 10:41 - الحزب الشيوعي الأردني

استهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولى جولاته الخارجية بزيارة السعودية. ولم يأت هذا الاستهلال صدفة، بل تم اخ [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس