تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعتبر من أهم، إن لم تكن أهم مناطق العالم لاحتوائها على مخزون هائل من النفط والغاز، والذي هو السبب الأهم لهذا الصراع الدموي، الأمر الذي يؤكد أنه لا توجد حرب أهلية في سوريا، كما تروج وتزعم بعض الجهات، بل هي حرب بالوكالة على الأرض السورية بسبب هذا المخزون الهائل، لا سيما مخزون الغاز الذي يقدر له ان يحتل مكاناً بارزاً في مصادر الطاقة على الصعيد العالمي، خاصة بعد اكتشاف مخزونات هائلة في شواطئ شرق البحر الابيض المتوسط وفي سوريا على وجه التحديد.

يؤكد غالبية الباحثين والمحللين السياسيين والاقتصاديين على الصعيد العالمي والعربي أن القوى الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية لا سيما الخليجية سارعت بشكل غير مسبوق الى احتضان المعارضة السورية وتسليحها ودفعها لرفع شعارات الكفاح المسلح لتغيير النظام. إذ أن هذه القوى السوداء وجدت في بداية تحركات المعارضة السورية مدخلاً هاماً لها للعمل السريع والفعال لانهاء دور سوريا السياسي والاقتصادي في المنطقة. وهكذا تم عرقلة وابطال امكانات النضال السلمي السياسي لمعالجة قضايا البلاد. ولجأت الاحتكارات الامبريالية والرجعية العربية والصهيونية الى أوسع حركة تجنيد وحشد لقوى الارهاب من مختلف بقاع الارض وزجها في المعركة لتغيير النظام في سوريا وذلك لأن القوى التي دعمت الارهابيين ودربتهم ومولتهم وسلحتهم وسهلت وصولهم من جميع بقاع الارض الى سوريا كانت تطمح لاحداث تغيير جذري في المنطقة وفي العلاقات الدولية. ولا شك ان التوسع الأولي للارهابيين جغرافياً ونشاطات المعارضين السوريين في الخارج ساهم بدرجة كبيرة في تعميق الوهم حول القدرة على اسقاط النظام السوري وتحقيق اهداف التحالف الامبريالي الصهيوني الرجعي العربي. وقاد هذا المناخ الى حالة من التشدد في مواقف المعارضة لجهة الاصرار على اسقاط النظام والاطاحة بالرئيس الاسد، الأمر الذي عزز تمسك التحالف الأسود بأطرافها وتوفير امكانات مادية ومعيشية مناسبة لهم. وأدى في ذات الوقت الى زيادة ارتباط غالبية المعارضين السوريين في الخارج بمموليهم والخضوع لتوجيهاتهم. وانقسم هؤلاء المعارضون حسب تبعيتهم لمرجعياتهم الخارجية كالولايات المتحدة والسعودية وقطر وتركيا. وأصبحت التنظيمات الاسلامية المسلحة المتعددة الأكثر نفوذا بين قوى الارهاب داخلياً، وفي مقدمتها داعش والنصرة، وتقود العمليات المسلحة في ظل توجيهات الخارج، بينما أصبح يضيق الخناق على القوى غير الاسلامية وينحسر دورها داخلياً وخارجياً في أوساط المعارضة.

وأعطى تشكيل مجموعة أصدقاء الشعب السوري التي شكلتها وقادتها واشنطن بمشاركة ما يقرب من سبعين بلداً دفعة قوية للحملة المسعورة ضد سوريا، مادياً ومعنوياً واعلامياً، مما شكل مناخاً معادياً لسوريا على نطاق واسع، خاصة بعد تجميد عضويتها في جامعة الدول العربية بضغط من الرجعية العربية الخليجية، مما أدى في النهاية الى إضعاف الجامعة نفسها وتعطيل دورها المحدد بموجب ميثاقها.

يجب التأكيد بأن الحملة المعادية لسوريا، فكرياً وسياسياً، ثم عسكرياً، فشلت ولم تنجح في تحقيق أهدافها، رغم وحشيتها وعدم انسانيتها واستنادها الى الاكاذيب مع انفاق مليارات الدولارات. فقد أدى العدوان الارهابي على سوريا الى تدمير هائل في البنية التحتية وفي القواعد الاقتصادية والتعليمية والصحية وفي تهديم المدن والقرى والمنازل والى تهجير ملايين المواطنين داخل البلاد وخارجها.

وتم تدمير الكثير من الآثار وشواهد الحضارات التاريخية، كتدمر والقلاع التاريخية والمساجد والكنائس، وجرى نهب المصانع خاصة في حلب وتهريبها الى تركيا وأقدمت بعض الحركات الاسلامية على ارتكاب ابشع الجرائم ضد الانسانية من خلال عمليات القتل والتشويه والاعتداء على النساء والاطفال وغير ذلك... نقول كل هذه الوحشية وتحشيد آلاف الارهابيين من مختلف القارات لم تنجح في اسقاط النظام، رغم كل اشكال التدمير والتخريب والبطش، فقد صمدت سوريا وصمد جيشها البطل في وجه الارهابيين الجدد والقدامى . وتمكنت بالتعاون الوثيق مع حلفائها من توجيه ضربات قاصمة الى المعتدين وأسيادهم.

فقد أخذت تنقلب الآية تماماً في الميدان، وكانت البداية الكبرى والاساسية في تحرير حلب من الارهاببين بعد معارك طاحنة شارك فيها المواطنون.

وبذلت تركيا جهوداً محمومة لمنع هزيمة الارهابيين في حلب، ولكنها فشلت في ذلك تماماً. وبعد حلب كرّت المسبحة وتلاحقت هزائم الارهابيين في حماة وحمص وتدمر وفي البادية السورية وعلى الحدود الأردنية والعراقية. وأخذ الجيش السوري وحلفاؤه يتقدم في مختلف الاتجاهات، وتتحقق نجاحات هامة خاصة من خلال دور الحليف الروسي عسكرياً وسياسياً، التي أصبحت تحقق التقدم الفعال في اتجاهين، أولهما تعزيز تفوق النظام السوري على اعدائه وبلوغه حدود الغلبة الكاملة أو شبه الكاملة عليهم، وثانيها الضغط من أجل حل سياسي يؤمن المطالب الوطنية لسوريا ويعيد لها دورها الفعال في المنطقة. وتوالت روافع هذا التحول من خلال التطور الكبير في العراق في هزيمة داعش، بعد تحرير الموصل ثم تحرير تلعفر وطرد الارهابيين الكامل من نينوى، وما سيترتب على ذلك بالضرورة من تطورات داخل العراق، رغم الصعوبات المتعددة هناك باجراء الاستفتاء في كردستان وحل مشاكل التحالفات السياسية والنضال من أجل الديمقراطية وضد المحاصصة والطائفية وغيرها، ومواجهة المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المعقدة.

وجاء أخيراً الانتصار الهام على داعش بعد طرد الارهابيين من على جانبي الحدود السورية اللبنانية في القلمون، والذي تزامن مع تزايد فرص إقامة المناطق الهادئة. ورغم كل ما يقال عن هذه الخطوة سلباً أو ايجاباً، لكنها ستبقى انتصاراً هاماً على طريق تصفية وانهاء وجود الارهابيين في البلدين الشقيقين، وانتصاراً للقوى المناضلة ضد الارهاب.

التطورات المتتالية والهزائم المتلاحقة لقوى الارهاب ولداعميها تكشف أن القوى التي اعتقدت ان الارهابيين سيمكنوها من تحقيق مكاسب، خاصة اقتصادية أولاً، وجغرافية ثانياً، بدأت تشعر بعمق المأزق وفداحة الخسائر.

فالولايات المتحدة الأمريكية تبذل جهداً كبيراً لتكون شريكاً في تحرير الرقة وحتى الوصول الى دير الزور من خلال هزيمة داعش، هذا التنظيم الذي صنعته أصلاً واشنطن باعتراف وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة هيلاري كلينتون. فالولايات المتحدة تريد أن تكون شريكاً في محاربة الارهاب الذي صنعته لكي يتمكن ترامب من الحصول على حصته من المكاسب في الشرق الأوسط ! ويأتي الاصرار الامريكي على التدخل في الرقة في ظل مجموعة متعددة الاتجاهات من الصراعات نشأت على خلفية الفشل في انهاء معركة ما يسمى بتحرير الرقة لقوات سوريا الديمقراطية بقيادة واشنطن، وبداية ضعف وتفكك قوات سوريا الديمقراطية التي تعول واشنطن على ان نجاحها سيضمن دوراً واضحاً للولايات المتحدة.

التطورات المتلاحقة في الميدان كشفت مجموعة من الحقائق والنتائج والاحتمالات، وياتي في مقدمة كل ذلك تراجع وزن المعارضة السورية التي باتت اليوم تحاول الحصول على أدنى ما يمكن مما كانت تطالب به سابقاً ومن خلال أن يكون لها دور ما في المفاوضات المقبلة. فالدور الحقيقي الذي تطمح اليه المعارضة انتقل علناً الى الولايات المتحدة التي تلتقي مع روسيا عند ضرورة الحل السياسي في سوريا مع عدم التطرق الى دور الرئيس الاسد. ويساهم في تخفيض دور المعارضة وتراجع التأثير الامريكي ككل صراعات الحلفاء الخليجيين الذي يضعف أمريكا والمعارضة بشكل واضح، هذا إضافة الى تخبط الادارة الامريكية وعجزها كلية عن تغيير المعادلات في الشرق الاوسط كما وعدت حلفاءها وتقاضت ثمن ذلك سلفاً خلال رحلة ترامب المعروفة الى السعودية.

المؤشرات الرئيسية في المنطقة تشير الى التطورات باتجاه المزيد من الانتصارات للقوى المعادية للارهاب، خاصة في سوريا والعراق وان هزيمة داعش أصبحت قاب قوسين او ادنى، علماً أن انهاء الدولة الاسلامية وطرد داعش والنصرة من مواقعها لا يعني انهاء دورها الارهابي، بل سيتحولان الى ارتكاب الجرائم الارهابية في جميع دول العالم، كما يحصل حالياً في بعض الدول الأوروبية والأفريقية والعربية، ورغم جرائم هذه المنظمات ستبقى الدوائر الامبريالية بحاجة الى أنشطتها الاجرامية.

كما ان بعض الدول في المنطقة ستعمل على ادامة المشاكل بسبب متطلباتها الخاصة كتركيا على وجه التحديد. أما اسرائيل فستبذل كل الجهود سواءً من خلال واشنطن او من خلال علاقاتها غير المعلنة مع بعض الجهات العربية لتفادي الضغوط عليها مع محاولة اقامة تحالف هي طرف فيه معاد لإيران، ولكن أساساً بهدف إيقاف أية محاولات لتسوية القضية الفلسطينية او تمرير ما يسمى بالحل الالقليمي الذي لا يعترف أبداً بأية حقوق وطنية للشعب الفلسطيني.

وهكذا يمكن التاكيد بأن التطورات المتلاحقة في المنطقة رغم الحروب وسفك الدماء والخراب والدمار الذي لحق بالعديد من الدول، لا سيما سوريا، يؤكد ان واشنطن فشلت في تغيير المعادلات السياسية في المنطقة أو تغيير خرائطها السياسية ويؤكد انتهاء تفرد واشنطن في الشؤون الدولية وتقدم الدور الروسي في هذا المجال، وزيادة دور الدول ذات الارادة المستقلة في معالجة شؤونها. ولا يوجد في الأفق ما يشير الى ان ادراة ترامب قادرة على وضع خطة لتعطيل مسار الاحداث في المنطقة وفي سوريا تحديداً، رغم انه ما زال بامكانها ومن خلال بعض حلفائها لا سيما تركيا إثارة متاعب جدية لسوريا والعراق. ورغم تعقيد التطورات وتداخلها ورغم الصعوبات التي ترتبت وتترتب على المعركة الدموية القاسية في منطقتنا فلا بد من التوقف عند الأمور التالية :

1-      لقد سقطت كل محاولات واشنطن في املاء سياسة الطاقة في المنطقة من خلال فرض اشكال استغلال وتسويق الغاز، وبالتالي ستحقق دول المنطقة حرية أكبر في استغلال هذه الثروة والتعامل معها، وان الاهتمام الكبير حالياً باعادة اعمار سوريا، والبحث الدولي العميق والعملي حول هذا الموضوع يؤكد هذه النتائج.

2-      تعزيز الاستقلال الوطني لكل من سوريا والعراق، وتحول الدولتين الى محور هام وأساسي في اعادة بناء العلاقات العربية المتبادلة على قاعدة العمل العربي المشترك سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وامنياً، واعادة دور أكثر استقلالية وحكمة لجامعة الدول العربية أو لأي منظمة بديلة تستهدف تحقيق ما كانت تهدف الجامعة الى تحقيقه.

3-      تكوين مناخ مؤات وفعال لدعم نضال الشعب العربي الفلسطيني في تحقيق أهدافه الوطنية وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس، واستخدام النفوذ العربي الجديد من أجل تحقيق ضغط دولي على اسرائيل للالتزام بالقرارات الدولية والتخلص من الرضوخ للاملاءات الأمريكية ووحدانية دورها في معالجة القضية باعتبارها قضية العرب الأولى.

4-      اعادة النظر في السياسات العربية، وخاصة العسكرية والاقتصادية على قاعدة التحالف العربي الفعال في مختلف المجالات، وتكريس جهود واضحة في مجال التنمية العربية المستقلة.

أما على الصعيد الداخلي فلا بد أولاً من اطلاق موضوع الاصلاح الشامل، سياسياً واقتصادياً، واطلاق الحريات العامة، واعادة النظر كلية في السياسة الاقتصادية. والخروج من جميع الاحلاف العسكرية والغاء وجود جميع القوات الأجنبية والانخراط في التحالف العربي، بعد إقامة أوثق العلاقات مع كل من سوريا والعراق بالدرجة الأولى، من أجل تقديم كل الدعم للشعب العربي الفلسطيني في كفاحه العادل وانهاء الاحتلال واقامة الدولة المستقلة وتامين حق العودة.

ان الخروج من الأزمة الاقتصادية العميقة والخطيرة والدفاع عن استقلال البلاد يتطلب برنامجاً وطنياً شاملاً يمكن التطرق اليه لاحقاً.

الزاوية الفكرية

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس