عقبات كبرى تعترض مسار الإنفراج في المنطقة

الأوضاع الدموية الملتهبة التي ما زالت قائمة على امتداد ما يقرب من ستة أعوام، تشكل السمة العامة في المنطقة وخاصة في سوريا. الا أن التبدلات التي جرت وما زالت تجري في الميدان ساهمت في فتح آفاق جديدة لإحتمالات إيجاد حلول من شأنها إيقاف الدمار والخسائر الباهظة في البشر والحجر ووضع حد للمآسي الإنسانية الكثيرة. فالتبدل في ميزان القوى على الأرض كان المدخل الأهم، إن لم يكن الوحيد، الذي كسر تصلب القوى الارهابية وتشددها في أية شروط لتسوية الأزمة السورية، كما أن الوجود الروسي ألزم متعهدي هذه القوى وداعميها ومشغليها بالرضوخ الى المعطيات التي أخذ يفرضها الميدان والتبدل في ميزان القوى على الأرض. وإضافة لذلك فإن مخاطر الارهاب التي أخذت تهدد العالم، وجرائم الارهابيين في العديد من البلدان ساهم في بلورة موقف عالمي ضد الارهاب والارهابيين ، وشكل رافعة إضافية للجهود المبذولة من اجل التسوية السياسية للأزمة.

وكانت هزيمة الارهابيين في حلب وطردهم منها، نقطة البداية في فرض التراجع على الارهابيين وسادتهم، الأمر الذي شكل منعطفاً هاماً ومؤثراً في الأزمة السورية وفي الوضع العام في المنطقة.

وتبع ذلك سلسلة الانتصارات التي يحققها الجيش العراقي في معركته ضد داعش، والخسائر المتتالية للإرهابيين جغرافياً وبشرياً في كل من سوريا والعراق، الأمر الذي يشير الى قرب هزيمة داعش، وغيره من قوى الارهاب. وتبرز حالياً معطيات شديدة الوضوح تؤكد ان هزيمة داعش وغيرها من المنظمات الارهابية لا تعني نهاية الخطط والأهداف التي بسببها تم دعم هذه القوى ومساندتها. فتطور الأحداث والتحركات المختلفة تؤكد من جديد أن الهجمة الارهابية ضد سوريا على وجه التحديد لم تكن انتصاراً للديمقراطية وللشعب السوري، كما تدعي الدوائر الامبريالية والرجعية، بل كانت معركة النفط والغاز في المنطقة ومعركة المصالح المتعددة والمتباينة لدول الجوار على الصعيدين الجغرافي والسياسي على السواء. فإذا كانت الهزيمة في حلب قد مهدت للقاء أستانة والى الاتفاق الروسي التركي الايراني، والى موافقة عدد ليس قليل من المنظمات الإرهابية للمشاركة في هذا اللقاء والذي وافق على الهدنة في سوريا ووقف إطلاق النار، ومع تحديد من هي المنظمات الارهابية والتي تجب مقاومتها وفي مقدمتها داعش والنصرة، ففي لقاءات أستانة تمكن المشاركون وبحضور الأمم المتحدة وروسيا وتركيا وايران من تحديد جدول أعمال المحادثات اللاحقة. وهذه خطوات مهمة لوضع الأمور على سكة التسوية السياسية، رغم كل الصعوبات والعوائق.

ورغم هذا التقدم، فإن بعض الدول والقوى التي تقف وراء بعض المنظمات الارهابية ضغطت لعدم حضور المعارضة لقاء أستانة الأخير، متذرعة بحجج غير مقنعة. فقد طالبت بعض هذه المنظمات أن تزيد روسيا ضغوطها على سوريا فيما يخص الموقف من مقاومة بعض التجمعات الارهابية، رغم ارتباطها بالنصرة وبغيرها من المنظمات الاسلامية المتشددة، هذا في حين احتجت بعض هذه المنظمات على اشتراك ايران في المجموعة الضامنة للهدنة، وطالب آخرون باشتراك بعض الدول التي تدعمها وتساندها، كالسعودية وقطر.

ولم يتوقف الأمر عند تلك النقطة فقط، بل أخذت هذه الجهات تحتج على المصالحات التي تجري في مختلف أنحاء سوريا، وخاصة المصالحة في حي الوعر في حمص، وطالبت بوقف هذه الاجراءات رغم أنها قد نفذت في مختلف أنحاء سوريا. وترافق عدم المشاركة في لقاء أستانةالأخير بزيادة وتوسيع هجمات الارهابيين في مواقع متعددة من سوريا، واهمها وأكثرها خطورة ما تم من مواقع في الغوطة الشرقية ضد دمشق وفي بعض المواقع شمال حلب وغيرها. وترافق ذلك مع الاعتداءات الاسرائيلية الجديدة على الاراضي السورية، وتهديدات الاسرائيليين بأنهم سيحطمون مواقع الدفاع السورية، خاصة بعدما هاجمت الصواريخ السورية الطائرات الاسرائيلية المعتدية وإصابة إحداها. ومما يزيد الطين بلة تعمق الخلافات بين التنظيمات الإرهابية، حتى دخولها في صراعات عسكرية متبادلة. وكما أصبح معروفاً فأن هذه الخلافات تعكس تباين مواقف داعمي ومؤيدي التنظيمات المختلفة. والأمر المفاجئ اعلان واشنطن أنها ستساهم في تحرير الرقة من داعش، حيث قررت ارسال 500 جندي للمشاركة مع قوات سورية الديمقراطية للمشاركة في تحرير الرقة، إضافة الى أنها سترسل 2500 جندي الى الكويت كاحتياطي لاحتمال زجهم في القتال ضد داعش في سوريا والعراق عند الضرورة. ومن  المعروف أن التدخل الأمريكي المباشر في عمليات القتال ضد داعش يتنافى كلية مع السياسات الأمريكية المعلنة حول عدم مشاركة واشنطن المباشرة في القتال.

وقد أعلنت الجهات السورية المعنية أن أنقرة وراء مقاطعة المنظمات الارهابية لقاء أستانة، كما أعلن المسؤولون الروس أن بعض الدول مسؤولة عن تعطيل اجتماعات أستانة، لانها لا ترغب في تحقيق التسوية السياسية الا حسب شروطها !.

فمن المعروف أن لتركيا مطالب محددة وفي مقدمتها عدم السماح بقيام ادارة ذاتية للكرد  على حدودها الجنوبية، أي في شمال سوريا، كما انها لا تخفي أطماعها في الموصل، وفي بعض الأراضي شمال حلب وادلب وغيرها. ولذلك فقد أرسلت قواتها لاحتلال بعض المواقع في سوريا بحجة مقاومة داعش، دون تنسيق ذلك مع الحكومة السورية، وهو ما يعني حركة احتلال مكشوفة، كما ترفض سحب قواتها من بعض الأراضي العراقية بحجج واهية وغير مقبولة!.

وفي حين يرتفع عالياً شعار وحدة الشعب والأرض في كل من وسوريا والعراق، فان أوساطاً عربية ودولية ومحلية في البلدين تدافع بحرارة مكشوفة عن سياسات تقسيم البلدين على أسس قومية وطائفية، ومن أخطر التوجهات في هذا المجال التركيز على الانقسام السني الشيعي في العراق، والهجوم على الحشد الشعبي من هذه الزاوية، والتأكيد على ضرورة مقاومة ايران بالدرجة الأولى بدلاً من التصدي  لداعش وللقوى الارهابية التي تحتل الأرض وتعتدي على المواطنين.

إن دعوات بعض الدول العربية ولا سيما السعودية الى جعل التصدي لإيران أولوية تسبق القضاء على الارهابيين، ومحاولة توسيع التحالف المعادي لإيران، ورفض أية محاولات لتسوية أي خلاف بين الاطراف المعنية، يعقد موقف الدول العربية من سوريا ويضاعف الصعوبات أمام العراق. ويتلاقى موقف بعض الدول العربية هذا مع الموقف الاسرائيلي الذي يجاهر بالعداء لايران وحزب الله ويعتبر ذلك أولوية على الكفاح ضد الارهاب المجرم. ورغم أن الولايات المتحدة تعلن عداءها لايران واعتراضها على سياساتها في المنطقة وسياساتها بالنسبة لاحتمال انتاج السلاح النووي، الا أنها تؤكد أن أولويتها هي محاربة داعش والقضاء عليها. كما أن العديد من الدول الأوروبية تؤكد على ضرورة القضاء على الارهاب بالدرجة الاولى كألمانيا وفرنسا وغيرهما وتقيم علاقات واسعة مع طهران، اقتصادية وسياسية.

إن تعدد الخلافات بين دول المنطقة وتباين المصالح وانعكاس ذلك على سلوك المنظمات الارهابية يساهم في تأجيج الصراع الدموي، ويعقد احتمالات التوصل الى تسوية سياسية سلمية للأزمة في سوريا والى الوصول الى أوضاع مستقرة في مرحلة ما بعد هزيمة داعش واخواتها.

فالانجاز الذي أحرز في لقاء أستانة من حيث وضع برنامج للمباحثات المقبلة بين الاطراف السورية والمكون من السلطة، الدستور، الانتخابات، ومقاومة الارهاب، شريطة السير في هذه الأمور بالتوازي على أهميته وضرورته للسير في طريق التسوية، توجد قوى عربية وغير عربية تسعى لافشاله وعدم الالتزام به،  الأمر الذي يشكل صعوبة ليست قليلة أمام احتمالات السير في طريق التسوية إذ تبرز بكل وضوح محاولات البعض الدفاع عن داعش والنصرة وبقية المنظمات الارهابية المتشددة، بحجة أن إنهاء الارهاب ليست أولوية ! فبعض الدول العربية ورغم كل التبدلات في الميدان على الارض ومعها بعض المنظمات الارهابية ما زالت تعتقد أن أية تسوية يجب أن تؤدي الى تسليم السلطة للإرهابيين ولو على حساب المزيد من التدمير في سوريا على وجه الخصوص. وتعتبر نفسها الممثل الشرعي للشعب السوري، ولا تقبل بحق الشعب السوري في تقرير مصيره بحرية وديمقراطية بانتخابات نزيهة باشراف دولي.

لقد قاومت دول عربية أية محاولة لاستعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية، وقاطع وزراء خارجيتها الاجتماع التمهيدي لوزراء الخارجية الذي عقد في القاهرة تمهيداً لمؤتمر القمة. علماً أن تجميد عضوية سوريا في جامعة الدول العربية سابقة خطيرة وتتنافى كلية مع ميثاقها. وفي الوقت الذي تمعن فيه بعض الدول بمعاداة سوريا والعمل على ابعادها عن محيطها العربي وتعريض كل مؤسسات وهيئات العمل العربي المشترك للخراب وتعطيلها بمختلف الوسائل، فان علاقات هذه الدول تنمو وتتطور بشكل معلن وغير معلن مع اسرائيل تلتقي معها في الموقف في سياسات موحدة إزاء المنطقة.

ومن المفيد التذكير بأن مختلف المؤشرات تؤكد على قرب هزيمة قوى الارهاب في سوريا والعراق، ولكن الوضع المعقد في سوريا وتعدد الأطراف التي تشارك في التدخل ينبئ بتعقد وصعوبة التوصل الى حالة من الانفراج، بل هناك بعض التقديرات التي تشير الى احتمال نشوء نزاعات من نوع جديد تشكل أرضية لاستمرار نشاط الارهابيين رغم هزيمتهم. ومن هنا تبرز أهمية بذل الجهود على الصعيد الشعبي والرسمي لاحباط نوايا الاطراف التي تستهين بتضحيات الشعوب ودماء أبنائها، سواء في سوريا والعراق وحتى في اليمن وليبيا وغيرها.

فمن الجدير بالذكر أن كل هذه الصراعات أو معظمها تتم باسم الدين أو الطائفية، وتقف وراءها قوى مختلف فصائل الاسلام السياسي. وهي بهذا الموقف تستمر في تشكيل سند لرغبات القوى الامبريالية والصهيونية وللرجعية العربية.

ويلاحظ أن المنطقة العربية الغنية بثرواتها وامكاناتها هي أكثر مناطق العالم استنزافاً بالحروب والصراعات، وأكثرها عرضة للمزيد من المصاعب التي تسمح بنهب ثرواتها ومصادرة قرارها المستقل، ويضعها أكثر فأكثر في فخ القوى الامبريالية والصهيونية المعادية لشعوبنا العربية وتقدمها.

إننا ندعو الى توسيع النضال لكي لا يبقى الصراع الشيعي – السني أداة للمزيد من الصراعات بين شعوب المنطقة بحجة التناقض العربي الايراني، لأن هذا الصراع يدفع الى الوراء بكل القضايا ات ذات الأولوية على  الصعيد القومي، وفي مقدمتها هزيمة الارهاب والدفاع عن حق الشعب العربي الفلسطيني في انهاء الاحتلال، واقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس، والعمل على تحقيق التقدم لشعوبنا في مختلف المجالات.

اخبار الحزب

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس