فلسطين كلها تستغيث !

تصاعد استفزازات الصهاينة للشعب العربي الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، وخاصة في عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة – القدس المحتلة - يأتي في سياق المساعي المحمومة للحكومة الإسرائيلية الأصولية المشكلة من غلاة التطرف والاستيطان والتهويد، ومن المهووسين بـ "الهيكل الثالث" المزعوم، لتغيير الطابع الأساسي للصراع من صراع جوهره سياسي يتمحور حول قضية توق شعب للتحرر من نير الاحتلال وانتزاع حقوقه الوطنية المشروعة، بما فيها إقامة دولته الوطنية المستقلة وذات السيادة الى صراع ديني يدور من وجهة نظر الصهاينة مع قوى وجماعات فلسطينية ذات ميول دينية متطرفة ومتزمتة، هي جزء أو رديف للمنظمات الأصولية المتطرفة المعرفة إرهابية – النصرة وداعش وسواهما، وبالتالي فإن الحرب المعلنة من جانب حكومة الاحتلال الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني ما هي إلا جزء من الحرب الكونية ضد الارهاب وجماعاته.

كما ويأتي استفحال العدوانية الإسرائيلية في إطار هستيريا انتابت الدوائر الصهيونية الحاكمة في تل أبيب والمتغلغلة في تلافيف المجتمع الإسرائيلي جراء القرارات الجريئة التي اتخذتها منظمة اليونسكو مؤخراً، والتي دحضت فيها المزاعم التلمودية اليهودية التي تدعي سيادتها على القدس، وأدانت أعمال الحفر الإسرائيلية تحت المدينة المقدسة.

وبطبيعة الحال لا تكتفي اسرائيل برفض مثل هذه القرارات الصادرة عن منظمات دولية متخصصة والتنديد بها ونعتها بشتى النعوت التي تعبّر عن غطرسة وازدراء بالأمم المتحدة وأجهزتها ووكالاتها حين تتخذ قرارات لا تروق لها ولا تتماشى مع أطماعها في الهيمنة والتوسع، بل تجند فوق ذلك كل طاقاتها وامكاناتها، لفرض حقائق جديدة على الأرض سرعان ما تغدو أمراً واقعاً تحتاج زحزحتها عنها الى جهود جبارة وتوظيف طاقات كفاحية كبيرة.

ومن هذه الإجراءات التي إتخذتها سلطات الاحتلال والرامية لإفراغ هذا القرار الأممي من مضمونه الإصرار على نصب بوابات إلكترونية على مداخل المسجد الأقصى، مما يشكل محاولة لتغيير الوقائع التاريخية، وفرض قيود على ممارسة المسلمين لشعائرهم وعباداتهم دون قيود، كما تنص على ذلك أحكام القانون الدولي، والقانون الدولي الانساني، وهذا كله يأتي في سياق انتزاع موافقة فلسطينية ضمنية على أن السيادة الفعلية تعود لسلطات الإحتلال، وليس لأي جهة اخرى. وأن العالم عندما لا يقر لسيادة إسرائيلية على القدس وأماكنها المقدسة، فانما يعاند الحقائق القائمة على الأرض. كما يأتي استهداف القدس ومقدساتها الإسلامية، وخاصة المسجد الأقصى بمثل هذه الاجراءات القاسية والممارسات الوحشية التي لا تستثني استخدام الرصاص الحي بحق المعترضين على الاجراءات الاسرائيلية الجديدة، واطلاق العنان لسوائب المستوطنين الصهاينة لارتكاب ما تعجز قوات الجيش والأمن عن ارتكابه خشية التسبب في حرج دولي لأصدقاء اسرائيل في العالم، وخاصة في الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي في إطار محاولات لصرف الانتباه عن الفضائح المحيطة بنتنياهو والتحقيقات التي تجريها الأجهزة الأمنية بخصوص شبهات فساد قد يكون ضالعاً بها.

كما ويجب أن لا يغيب عن البال، أن حكومة اسرائيل تستغل أي فرصة سانحة لتكرس في الوعي الجمعي، انها ليست في وارد التجاوب مع مطالب الشعب الفلسطيني، المدعومة من سائر شعوب المعمورة ومن جميع الأنظمة التقدمية والقوى الديمقراطية في العالم بأسره، في التحرر والعودة وتقرير المصير، وأن جل ما يمكن أن تقدمه من (تنازلات !!) يتمثل في اتخاذ تدابير واجراءات ضمن ما يسمى بـ "السلام الاقتصادي"، أي تحسين شروط العيش والتنقل والعمل في ظل الاحتلال، وليس إزالة الإحتلال نفسه.مع ان حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل لم تشعر يوماً أن هناك قيوداً تقيّد حركتها، وتلجمها عن تنفيذ نواياها المبيتة، وتردعها عن اقتراف الاعتداءات ضد الشعب العربي الفلسطيني والشعوب العربية، التي رافقتها على الدوام وحشية وسادية عز نظيرهما في التاريخ الحديث، الا أن الصمت العربي إزاء ما تقترفه سلطات الاحتلال في شتى بقاع الارض الفلسطينية، دون استثناء القدس، هذا الصمت الذي يقترب من درجة التواطؤ، يشجع حكومة القتل والاجرام والعدوان الصهيونية على المضي قدماً في سياسة واجراءات مصادرة الاراضي الفلسطينية المحتلة وتهويدها عن طريق زرعها بالمزيد من المستوطنات، وفرض "الأسرلة" على سكانها العرب.

من منظور نتنياهو وأركان حكومته وتحالفه اليميني المتطرف، ليس هناك ثمة من سبب يجبره على التراجع عن سياساته، ويحتفظ باطلاق اجراءاته، فالأنظمة الرسمية تخلت عملياً حتى عن مجرد مطالبته الخجولة  بالكف عن التنكيل بالشعب العربي الفلسطيني والتنديد بسياساته العنصرية، وبدت مستعدة أكثر من أي وقت مضى للتنازل عن شرط ربط التطبيع بالتوصل الى تسوية تقوم على اساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية وتلتزم بالثوابت الوطنية الفلسطينية.

ان اللقاءات الرسمية وشبه الرسمية بين المسؤولين العرب ونظرائهم الاسرائيليين التي انتقلت الى حيز العلن، والتي لم تعد تشكل أي حرج، كما كانت في السابق، للأنظمة الرسمية العربية، وابداء استعداد متزايد لإقامة علاقات متنوعة بما في ذلك تنسيق المواقف والتوافق على أن هناك خطراً مشتركاً يتهدد العالم العربي والكيان الاسرائيلي العنصري مصدره "ايران" و "الشيعة" يتطلب بناء حلف عسكري للدول العربية السنية بزعامة السعودية تنخرط فيه المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وتلعب دوراً بارزا فيه.

ويترافق مع هذه التحولات الدراماتيكية المثيرة في موقف النظام الرسمي العربي من الصراع مع اسرائيل التي رغم احتفاظها بتوجهاتها العدوانية والتوسعية وتفشي النزعات العنصرية والتمييز العنصري والميول الأصولية المتطرفة في مؤسسات الحكم وفي المجتمع، جنوح الادارة الأمريكية ، وقوى متنفذة في الحكومات والمجتمعات الأوروبية الغربية، وفي عدد من البلدان الافريقية والآسيوية، وخاصة الهند، لرفع مستوى العلاقات الثنائية، وتجريم الحركات والتيارات التي تطالب بفرض المقاطعة الاقتصادية والتجارية والاكاديمية على اسرائيل، وخاصة على الشركات والمؤسسات الأكاديمية العاملة في المستوطنات الصهيونية القائمة في الاراضي الفلسطينية المحتلة.

النفاق السياسي الأوروبي لإسرائيل يتجلى بأبشع صوره في التزام الحكومات الغربية الصمت إزاء الانتهاكات الإسرائيلية الفظة لحقوق الإنسان الفلسطيني ولمنظومة القيم الديمقراطية التي تدعي هذه الحكومات بأنها لا يمكن أن تتسامح حيال أي انتهاك لها أو تعدٍ عليها.

وتبدو الحكومة الاسرائيلية هي الحكومة الوحيدة في العالم التي تتمتع بالحصانة من أي انتقاد أو إدانة ، رغم ان سجلها في انتهاكات حقوق الانسان، سواء تعلق الأمر بأبناء الأقلية القومية في مناطق الـ 48، أو بمواطني الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، حالك السواد أكثر من أي حكومة أخرى في هذا العالم.

كيف يمكن تخيل حدوث تبدل حقيقي وجدي في السياسة الإسرائيلية في ظل استمرار هذا

الاحتضان الغربي وهذا "التفهم" لممارساتها التي تتعارض مع القانون الانساني الدولي والقانون الدولي الذي يفرض التزامات محددة تجاه الدولة القائمة بالاحتلال. ومع ذلك نجد أن الشرعية الدولية وأحكام مواثيقها الملزمة، وقراراتها المتكررة تبقى معطلة، ولا تجد من اطراف ما يسمى بـ "المجتمع الدولي" الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة، الحامي والمدافع والحاضن الأساس لنظام الأبارتهايد والتمييز العنصري في تل أبيب، من يرفع الصوت مطالباً حكومة اسرائيل العنصرية بالالتزام بها وتطبيقها.

موقف السلطة الفلسطينية

مع تسليمنا بأن السلطة الفلسطينية خاضعة كما الشعب الفلسطيني للاحتلال، وهي تفتقر للعديد من مظاهر الاستقلال والسيادة وارادتها في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشعب الفلسطيني مقيدة ولا يمكن أن تكون حرة في ظل الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية على سائر الأراضي الفلسطينية، حتى بخلاف ما تنص عليه اتفاقات أوسلو المشؤومة، الاّ أن أحداً لا يستطيع أن يحرم أو يمنع السلطة الفلسطينية من أن تمارس دورها الأساسي والطبيعي في أن تكون هي الحاضنة السياسية لمقاومة شعبها ونضاله من أجل التحرر الوطني والعودة وتقرير المصير.

وبمقدور السلطة أن تتمسك بما يتمسك به شعبها من ثوابت وطنية وأن لا توافق على ما لا يوافق عليه، ولا تتنازل عنه.

كما ويجدر بها ان تكون سباقة لإعلان موقف صريح ومبدئي من الممارسات الإسرائيلية عبر ادانتها وفضحها والتصدي لها.

فالقرار الذي أعلنه الرئيس محمود عباس بوقف الاتصالات مع الجانب الاسرائيلي ومنها التنسيق الأمني تأخر بدون مبرر. وكان حرياً بالسلطة أن تتخذه في الساعات الأولى بعد شروع الاحتلال في اعاقة وصول المصلين الى المسجد الأقصى، والاعتداء على المعتصمين في منطقة باب الأسباط وتوجيه آلة القتل الدموية الصهيونية الرصاص تجاه الصدور العارية للشبان الفلسطينيين، وسقوط عدد منهم شهداء بفعل ذلك.

المقاومة بكافة أشكالها هي الرد

صمود الشعب الفلسطيني في المواجهات الشرسة مع الاحتلال، وإصراره على رفض اشتراطات وقيود حكومة اليمين المتطرف الاسرائيلية لممارسة شعائره الدينية وعباداته وربط الموقف من الاعتداءات الصهوينة المتواصلة والمتكررة تجاه القدس والمسجد الأقصى بالموقف من سائر الممارسات والسياسات الاحتلالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة، على اعتبار أن قضية الأقصى لا تنفصل إطلاقاً عن قضايا التحرر الوطني وانتزاع الحقوق الوطنية التي يسعى المحتلون الصهاينة، بدعم أمريكي وغربي أوروبي لطمسها، هو القادر على بناء جدار الصد في وجه الأطماع والمخططات الاسرائيلية.

كما أن مقاومة الشعب الفلسطيني، والتفافه حول المطالب والثوابت الوطنية، هو الكفيل بتصليب مواقف السلطة الفلسطينية، وحثها على اتخاذ قرارات ومبادرات تنسجم وترتقي الى مستوى صمود الشعب في وجه العربدة الصهيونية، وتنسجم مع استعداداته الكفاحية ومطالبه الوطنية.

وهو القادر أيضاً على إحداث تبدل ما في الموقف الرسمي العربي وفي الموقف الدولي الذي يقدر بعض أصحاب الرؤوس الباردة من صّناعه أن السياسات الاسرائيلية الهوجاء في الأراضي الفلسطينية قد تدفع الشعب العربي الفلسطيني الى اعلان إنتفاضة جديدة، تعيد خلط الأوراق، وتعطّل تمرير بعض المخططات الجاري تنفيذها بدأب في المنطقة، ومن ذلك، عرقلة تطبيق مقررات مؤتمر الرياض العربي – الإسلامي – الأمريكي المنعقد في21 أيار الماضي، وإعاقة بناء تحالف سني تشارك فيه اسرائيل والأنظمة العربية الرجعية تحت الرعاية الأمريكية يستهدف من وجهة النظر الأطراف القائمة على هذا المشروع المشبوه التصدي ليس فقط للمنظمات الإرهابية والمتطرفة من قبيل "داعش" و"القاعدة" والمنظمات الاخرى الملحقة بهما والتابعة لهما، بل ايضا لأحزاب وحركات مقاومة تنتمي في الواقع وفي الممارسة للجبهة المعادية للإرهاب. لكن لدوافع مذهبية صرفة ولحسابات تتعلق بالمزاحمة على النفوذ والهيمنة يتم ادراجها ضمن الجماعات الإرهابية المستهدفة من قبل هذا التحالف العسكري "السني" الذي يجري العمل على انشائه .

قيام هذا التحالف من شأنه أن  يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتطبيع العلاقات بين النظام الرسمي العربي والكيان الاسرائيلي العنصري، دون ان تكون مضطرة لدفع أثمان هذا التطبيع قبل الشروع به، عملاً بمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002.

الى جانب الاستعدادات النضالية العالية، يحرص الفلسطينييون على سحب الذرائع من المحتل الصهيوني لتوظيف آلة القمع بكامل قدرتها في التنكيل بالهبات الشعبية، وادخار أقصى ما يمكن من القوى لمواصلة المقاومة والتصدي للاحتلال، الذي تتعدد جبهات الصراع معه، وتتنوع أشكال المجابهة لمخططاته وأطماعه.

تحلـيـل إخبــاري

أمريكا: من الانحياز الأعمى الى العداء السافر
14 كانون1 2017 09:55 - الحزب الشيوعي الأردني

أسفرت الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة عن أن يتربع على عرش البيت الأبيض رئيس يصفه الأمريكيون قبل غيرهم  [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس