خمسون عاماً من النضال لإزالة آثار العدوان !

ما يميز شعوب المنطقة العربية عن الأنظمة القائمة فيها، أن الشعوب لم تستسلم ولم ترفع الرايات البيضاء، وانطلقت بحسها العفوي تطالب الرئيس جمال عبد الناصر سحب استقالته التي أعلنها عبر الشاشة الصغيرة اعترافاً منه بالمسؤولية عن الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية. فيما انزلقت الأنظمة بعد وفاته المبكرة، وبشكل تدريجي باتجاه الاستسلام لمنطق الهزيمة، وتخلت خطوة إثر خطوة عن لاءات الخرطوم الثلاث، وتنكرت لها نهائياً في فترة لاحقة.

وشكلت زيارة السادات المشؤومة الى القدس المحتلة، سابقة دشنت حقبة التسويات الجزئية والصفقات المنفردة بعيداً عن الإلتزام بمبدأ شمولية التسوية وبتطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يفوّت الفرصة على العدو الصهيوني من الاستفراد بكل دولة عربية على حدة، وإملاء شروطه المجحفة عليها بالاستناد الى موازين القوى القائمة على الأرض.

وبدلاً من أن تكون خطوة السادات الاستسلامية حدثاً معزولاً عن سياق عام، وسابقة غير قابلة للتكرار، أصبح نهج السادات مثالاً قابلاً للتطبيق من قبل جُلّ الدول العربية، لا سيما الأردن الذي سرعان ما التحق بركب التسويات المنفردة والصفقات الجزئية، بتوقيعه إتفاقية وداي عربة.

وهكذا لم تبق من دول الطوق العربية الاّ سوريا التي قاومت شتى الضغوط ووسائل الترهيب والترغيب وأصرت على انسحاب قوات الاحتلال من جميع الأراضي السورية المحتلة عام 1967، وأعلنت كذلك تمسكها بحقوق الشعب العربي الفلسطيني كاملة غير منقوصة.

وبدورها سعت منظمة التحرير الفلسطينية الى التوافق مع المناخ العربي الرسمي السائد، وتوصله مع الاحتلال الاسرائيلي الى إتفاق أوسلو الذي شكل عنواناً رئيساً لمرحلة مضنية وطويلة من المفاوضات العبثية، اعتراها من الجانب الاسرائيلي كثير من المماطلة والتسويف، وعدم الالتزام ولو بالحدود الدنيا لما تم الاتفاق عليه. كما نجحت اسرائيل بأساليب مختلفة من المراوغة والمناورة في جرجرة المفاوض الفلسطيني الى اعادة التفاوض حول قضايا تم الاتفاق عليها، والى فرض مرجعيتها للمفاوضات، حيث بات الأمن، وفق المفهوم الاسرائيلي له، بما في ذلك أمن مواطنيها ومستوطنيها، هو المرجعية العليا للمفاوضات، وليس الشرعية الدولية وقراراتها.

وهكذا دارت المفاوضات في حلقة مفرغة، انتزعت فيها وخلالها من المفاوض الفلسطيني كل أو جُل أوراقه التفاوضية، استفادت منها اسرائيل، لتظهر أمام الرأي العام العالمي بمظهر (الحريص) على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، ولتشوه طبيعة وجوهرالصراع، وتحيله الى مجرد تنازع على الأراضي، وليس قضية نضال وطني لشعب يرزح تحت نير الاحتلال ويتوق للخلاص منه وانتزاع حقوقه الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرف.

وهكذا أفلحت اسرائيل في أن تفرض على الجانب الرسمي العربي والفلسطيني دون حرب، ما فشلت في تحقيقه رغم إلحقاها الهزيمة بانظمة ثلاث دول عربية.

ويعود ذلك بصورة أساسية الى فشل العدوان في الإطاحة بالنظام الوطني في مصربقيادة جمال عبد الناصر، وتبلور إرداة واضحة لديه بالتصدي للعدوان وتصفية آثاره واستعادة الأراضي التي احتلت في سياقه.

وهذا لا يقلل ولا يحجب التداعيات الكارثية المعروفة للهزيمة على مختلف الصعد العسكرية والسياسية والنفسية – الإجتماعية.

النجاحات التي حققها نظام عبد الناصر في سرعة اعادة بناء القدرات القتالية للجيش المصري ، والحاقه ضربات موجعة بجيش الاحتلال الاسرائيلي خلال معارك حرب الاستنزاف، ونجاح الجيش الأردني متحالفاً مع قوى المقاومة الفلسطينية في صد العدوان الاسرائيلي على الكرامة، شكلت بارقة أمل لدى الشعوب العربية بأن ليل الهزيمة لن يطول، وعزز لديها الثقة بأن الهزيمة لم تفت نهائياً من عضدها وبأن لديها ما يكفي من الطاقات والقدرات لاستعادة الأراضي المغتصبة والحقوق المهدورة.

وقد تعزز هذا المناخ الكفاحي في المنطقة العربية بتشكل حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي حظيت بالتفاف شعبي فلسطيني وعربي واسع، مما شكل مصدر قلق جدي لإسرائيل وحلفائها وللأنظمة العربية، الذين سعوا بتنسيق وبدون تنسيق الى حرفها عن مقاصدها الأساسية في مقاومة الاحتلال، والى نصب الفخاخ وتصيّد عثراتها واخطائها وخطاياها السياسية والعسكرية، وسلوك بعض عناصرها غير المنضبطة وغير المنسجمة مع اخلاقيات المناضلين الثوريين وسلوكهم للايقاع بها وعزلها عن حاضنتها الشعبية، مما سهل إمكانية تسديد ضربات عسكرية موجعة لها، حققت مقاصدها في اغلب الحالات.

ودون التقليل من أهمية الكفاح المسلح كوسيلة من وسائل وأساليب النضال الوطني المشروعة ضد الاحتلال، فقد جاء الاستخفاف بأشكال وأساليب النضال الأخرى، خاصة أساليب المقاومة الشعبية التي تحتاج الى قدرات كبيرة في الحشد والتعبئة والتنظيم ليلقي بظلال قاتمة على مواجهة الاحتلال والتصدي الفعال لمخططاته في الاراضي الفلسطينية طيلة الفترة التي كانت حركة المقاومة الفلسطينية ناشطة بفعالية في مواجهة الاحتلال عبر قواعدها المنتشرة في جنوب لبنان.

تراجع العمل المسلح ضد الاحتلال بعد اضطرار حركة المقاومة الفلسطينية للخروج من لبنان في أعقاب العدوان الاسرائيلي ضد الأراضي اللبنانية عام 1982، دفع القوى الفلسطينية الى اعادة النظر في الموقف من اشكال النضال الجماهيري، الأمر الذي تجلى في انطلاق الانتفاضة الشعبية الفلسطينية عام 1987، التي انخرطت فيها شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، عجز الاحتلال الاسرائيلي عن اخمادها  رغم استخدامه وسائل قمع غاية في الوحشية. وقد كشفت الانتفاضة الشعبية ، ليس فقط عن طاقات كفاحية هائلة، واستعداد غير محدود للتضحية، بل وعن تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه الوطنية الثابتة، واصراره على كنس الاحتلال وانتزاع حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية المستقلة.

وقد شكل ذلك صفعة قوية لأحلام الكيان العنصري، الذي ظن أن حرب التصفية التي شنها على حركة المقاومة الفلسطينية في لبنان، ولجوئه الى اساليب القمع والبطش غير المسبوقة التي فاقت وتفوقت على أساليب أنظمة الحكم الفاشية والنازية قادرة على انتزاع استسلام غير مشروط من الشعب الفلسطيني . ورغم الانهيارات المتلاحقة في مواقف النظام الرسمي العربي من القضية الفلسطينية وقضايا التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ورغم الوهن الذي بات يعتريه، والإنقسامات الحادة في صفوفه، وخياراته السياسية التي باتت تقترب، واحياناً تتماثل مع خيارات الدول والقوى الامبريالية والصهيونية المعادية والطامعة للهيمنة على المنطقة العربية ومواصلة نهب خيراتها وثرواتها، وخاصة النفطية والغازية منها، وهذا ما استهدفه العدوان عام 1967 في الشق السياسي، فان شعوبنا العربية رفضت ولا زالت ترفض بكل قوة مجمل هذه السياسات والمواقف المتخاذلة للنظام الرسمي العربي، وترفض التساوق مع منطق الهزيمة وتتمسك بثبات بثقافة المقاومة بأشكالها كافة، المسلحة والشعبية السلمية والعنفية، وتعبر بأساليب مختلفة عن رفضها لسياسات التبعية للنظام الرسمي العربي، ولاملاءات الصناديق والمؤسسات المالية الدولية. كما وتعارض الممارسات الاستبدادية والقمعية لانظمة الحكم العربية، وتتمسك بخيارات الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية وبمنظومة الحقوق والحريات العامة.

وقد عبرت الشعوب العربية إبان الانتفاضات الشعبية الواسعة التي اندلعت في نهاية 2010 ومطلع عام 2011 عن هذه الأشواق. غير أن الرعب الذي انتاب أنظمة القمع والاستبداد العربية والدوائر الامبريالية والصهيونية من هذا الحراك الشعبي الواسع ومن الشعارات التي استقطبت تأييد قطاعات واسعة من الجماهير الشعبية العربية، دفعها لتفجير معارك الثورة المضادة، التي اتخذت في غالبية دول ما اصطلح على تسميته بـ "الربيع العربي"، طابعاً دموياً شرساً.

إن الصراع القائم بين معسكر الثورة ومعكسر الثورة المضادة لا يسير دائماً في خط مستقيم وصاعد بل قد يشهد أحياناً انكسارات وهبوط، غير أنه لا يتلاشى ولا ينتهي، بل يتجدد ويتخذ في كل مرحلة أشكالاً متعددة ومختلفة.

صحيح أن المنطقة العربية لا زالت تعيش بهذا الشكل أو ذاك، وبهذا القدر أو ذاك تحت وقع تداعيات هزيمة حزيران عام 1967 غير أن فشل الدوائر الامبريالية والصهيونية والرجعية في أن يصبح منطق وذهنية الهزيمة هو السائد في المنطقة والمتحكم في النفسية الاجتماعية لشعوبها، يبعث على الثقة في أن ليل الهزيمة سينجلي ولو طال !.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نشاطات الحزب

تحلـيـل إخبــاري

تغيرات استراتيجية هامة في المنطقة بعد هزيمة الارهاب !
07 أيلول 2017 07:25 - الحزب الشيوعي الأردني

تتجه انظار العالم أجمع الى منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اشتعالاً بالأحداث والصراعات الدموية والتي تعت [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس