وقائع حفل تأبين القائد الشيوعي الرفيق الدكتور نبيه رشيدات

 

جرى مساء الثامن عشر من شهر تشرين الأول في مركز الحسين الثقافي حفل تأبين مهيب للقائد الشيوعي والمناضل الوطني د. نبيه رشيدات حضره العديد من الشخصيات السياسية والوطنية والاجتماعية وممثلو الأحزاب الوطنية والقومية والتقدمية وأعضاء لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة وجمهور كبير من أصدقاء ومحبي الرفيق الراحل وحشد كبير من الرفاق الشيوعيين وأصدقائهم من مختلف المحافظات.

 

وافتتح الدكتور سليمان الأزرعي الحفل قائلاً:

أيها الحفل الكريم،

أيتها الصديقات، أيها الأصدقاء

الضيوف الأعزاء المشاركين في هذا الحفل التأبيني إحياء لذكرى الرفيق العزيز المناضل الدكتور نبيه رشيدات، أحييكم أصدق تحية وأرجو أن تتلطفوا بالوقوف دقيقة صمت إجلالاً لروح رفيقنا العزيز ولأرواح شهداء وفقيدي حركة التحرر والتقدم العربية.

الأصدقاء والرفاق الأعزاء

يفخر الأردنيون والتقدميون والوطنيون والأحرار، يفخرون بمناضلين صادقين أشداء أنجبهم الحزب الشيوعي الأردني، وتربوا على الوطنية الصادقة، وعلى الوفاء للمبادئ والقيم العليا، قيم التضحية في سبيل التقدم والاستقلال الوطني ونصرة القضايا القومية، وسائر قضايا الشعوب العادلة .. وستظل ذكرى هؤلاء الفرسان الأوائل منارات على دروب النضال التحرري والكفاح النبيل، الصادق والمتفاني في سبيل رفعة الوطن وتحقيق التقدم الاجتماعي. وستظل قوافل الشرفاء ماضية نحو هدف التقدم والتحرر ما دام هنالك مناضلون نذروا فكرهم وطاقاتهم في سبيل هذا الهدف الأسمى.

 

كلمة الدكتور منير الحمارنه في تأبين الدكتور نبيه رشيداتايها الحفل الكريمنلتقي اليوم لنؤبن فقيدنا الراحل الكبير المناضل نبيه رشيدات أبو عمر، والذي برحيله يفقد الشيوعيون وسائر التقدميين والوطنيين خاصة في الأردن وسوريا مناضلاً وطنياً وقومياً وأممياً بارزاً، كرس كل حياته منذ سنوات شبابه المبكرة وحتى رحيله للنضال من اجل الحرية والإنعتاق من قيود التبعية للقوى الامبريالية والتصدي للتحالف الامبريالي - الصهيوني ودفاعاً عن الفكر العلمي. عرف بصلابته وثباته في النضال وفي الدفاع عن المبدأ. ونذر حياته وعلمه ومهنته وفكره لقضية العدالة للكادحين وقضية الاستقلال الوطني والقومي وناضل بصلابة وبمبدأية عالية من اجل وحدة القوى الوطنية والقومية في الأردن وفي سوريا، لمواجهة المخططات والمؤامرات الامبريالية – الصهيونية ضد البلدان العربية ومن اجل انجاز قضية الاستقلال والتحرر الوطني. وتميز بموقفه الصلب والواضح دعماً للنضال الوطني الفلسطيني من اجل استعادة الحقوق الوطنية، الحق في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس العربية. وقدم مساعدات جلى للمناضلين والفدائيين الفلسطينيين وأصبح طبيباً للعديد منهم ولعائلاتهم وقدم مساعدات ودعماً هاماً للثوار الفيتناميين وغيرهم من المناضلين مما اكسبه تقديراً اممياً واسعاً. لقد ربط نبيه مصيره بمصير شعبه في الأردن وسوريا وجميع البلدان العربية، وعبر عن ذلك مبكراً، وهو على مقاعد الدراسة الثانوية، وكان عصياً على الإغراء وعنيداً وصلباً أمام التهديد مما تسبب في زجه في السجون والمعتقلات عدة مرات وهو في ريعان الشباب. ولد نبيه في عائلة وطنية، مما ساهم في انخراطه المبكر في العمل السياسي والشأن العام، وتأثر في سني دراسته الثانوية ببعض المدرسين التقدميين، وكانت نقطة الانعطاف الهام في حياته عندما انضم إلى الحزب الشيوعي السوري في مطلع أربعينيات القرن الماضي إبان دراسته الطب في الجامعة السورية. وبينما أخذ يبرز كمناضل شيوعي في الجامعة السورية من موقعه الجديد، فإنه من هذه الانعطافة وبالتعاون مع عدد من أصدقائه وزملائه بدأ في تكوين الخلايا الماركسية في الأردن، والتي أخذت تتسع في العديد من المدن الأردنية، وكانت النواة في شرق الأردن التي ساهمت مع عصبة التحرر الوطني الفلسطيني في قيام الحزب الشيوعي الأردني في نيسان عام 1951. وكان نبيه الشخص الرئيسي في إقامة الصلة مع قادة عصبة التحرر، وساهم بقوة في جميع النشاطات الأولية لإعلان قيام الحزب ووضع برنامجه الأول، وسهل مهمة انتقال بعض قادة العصبة إلى عمان، لأنهم جميعاً كانوا ينشطون بشكل سري. وكان عضواً في أول لجنة مركزية للحزب.وساهم نبيه في تكوين الجبهة الوطنية في الأردن مع صديقه المناضل الكبير الدكتور عبد الرحمن شقير وكوكبة من المناضلين. وعرف عن نبيه قدرته الخطابية وسرعة بديهته وإمكاناته الهائلة في إقامة علاقات مع أوسع الأوساط الشعبية، وخاض مع رفاقه في الأردن معارك وطنية واسعة، أسهمت في النهوض الواسع للحركة الوطنية الأردنية التي شارك فيها مختلف القوى والأحزاب الوطنية والقومية مما أدى إلى إسقاط حلف بغداد بعد الانتفاضة الشعبية العارمة في العديد من المدن في الضفتين الشرقية والغربية على السواء. الأمر الذي ساهم في مجيء الحكومة الوطنية برئاسة سليمان النابلسي، وإلغاء المعاهدة مع بريطانيا.كان نبيه شخصية محبوبة ومحترمة، حتى من أولئك الذين يختلفون معه فكرياً وسياسياً. وسخّر مهنة الطب لخدمة الكادحين والفقراء، حيث سمي طبيب الفقراء في الأردن، كما عرف بهذه الصفة في سوريا. وكان مبادراً ونشيطاً دائم الشباب حتى في أيامه الأخيرة، حاضر البديهة لا يتوانى عن تقديم المساعدة للناس. شديد التواضع بعيداً عن الأنانية والنزعة الذاتية. وكان يقاوم بقوة السجالات غير المبدأية بين الشيوعيين في حالات الاختلاف والتي كانت كثيرة مع الأسف. وبقي يطالب أن تكون الخلافات أداة لتطوير الوعي وليس لتعميق الحزازات الشخصية. وعرف باحترامه وتقديره للمناضلين الصامدين من مختلف الاتجاهات الوطنية. وكان معروفاً على نطاق عالمي في الأوساط الشيوعية والتقدمية، وحظي باحترام كبير لدعمه الموصول لقوى التقدم والديمقراطية. وكان حريصاً دائماً على وحدة الشيوعيين وبذل جهوداً ملموسة بهذا الخصوص، كما كان حريصاً على تراص صفوف جميع الوطنيين لمواجهة التحديات الملحة التي تواجهها حركة التحرر الوطني والقومي العربية. لقد تعرض نبيه في حياته إلى صعوبات كبيرة صمد أمامها جميعاً. كان شديد الثقة بالمستقبل وبالاشتراكية ولم تتزعزع قناعته بعد غياب الاتحاد السوفييتي، وكان يقول إن غياب الاتحاد السوفييتي سيعجل في تفجير التناقضات في مراكز الرأسمالية والقوى الإمبريالية. وها هو يرحل عنا وأزمة النظام الرأسمالي تحتدم وتهز أركان الرأسمالية العالمية ومواقع الإمبريالية. سيشهد العالم نهوضاً في وجه الإمبريالية وقوى العولمة الرأسمالية الشرسة. إننا بغياب نبيه نفتقد الشخصية الفذة التي جمعت العديد من الصفات والسجايا التي ميزته كمناضل محبوب، السجايا التي قلما توفرت مجتمعة في شخص واحد والتي ستجعله مقيماً بيننا أبداً كقوة مثال. ونتقدم بهذه المناسبة من أسرته بأعمق مشاعر العزاء، والتي قدمت له مساعدات كبرى أسهمت في صموده، كما نتقدم من رفاقه وأصدقائه ومن أنفسنا بأحر مشاعر العزاء. ونعد أن نبقى على طريق الراحل العزيز.

 

لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة الوطنية الأردنية

كلمة في تأبين المرحوم الراحل الكبير الدكتور نبيه رشيداتأيها الرفاق:مثل هذا المهرجان لا تجري إقامته إلا للمتميزين من أبناء الأمة، ومن هنا جاءت مشاركة لجنة التنسيق العليا لأحزاب المعارضة الوطنية الأردنية في هذا المهرجان لتأبين واحد من أقدم المناضلين الأردنيين وأكثرهم التزاما بقضايا الوطن والتصاقا بقضايا الشعب الرفيق الدكتور المرحوم نبيه ارشيدات.لقد كان رحمه الله من أول الشباب الأردنيين الذين انضموا إلى الحزب الشيوعي السوري أثناء دراسته للطب في الجامعة السورية قبل أكثر من ستين عاما وبقى قياديا في الحزب في سورية. وكان واحدا ممن عملوا على تأسيس الخلايا الماركسية في الأردن قبل تأسيس الحزب الشيوعي الأردني عام 1951 حين توحدت الخلايا الماركسية مع عصبة التحرر الوطني الفلسطيني التي كانت تضم الشيوعيين الفلسطينيين وكان له إسهامه الفعال في التحضير لتأسيس الحزب الشيوعي الأردني ووضع برنامجه وصياغة أدبياته، كما كان له دوره الهام في تأسيس الجبهة الوطنية الأردنية التي عملت إلى جانب الأحزاب الوطنية الأردنية في النضال من اجل انجاز العديد من المهمات النضالية وخاصة في الخمسينات حيث تم تعريب قيادة الجيش الأردني وطرد ضباطه الانجليز والقضاء على محاولة جر الأردن لحلف بغداد وبعدها النضال ضد مشروع أيزنهاور عام 1957م كما أسهم هذا النضال بتشكيل الحكومة الوطنية برئاسة المرحوم سليمان النابلسي عام 1956م والتي ألغت المعاهدة الأردنية البريطانية.كان الراحل مؤمنا بوحدة الأمة العربية مثلما آمن بوحدة الماركسيين في العالم، ومارس قناعاته عمليا حيث عمل جادا لتحقيق ما آمن به، ذلك لأنه كان يرى أن خلاص الأمة العربية عبر وحدتها وخلاص العالم عبر خروجه من إنفاق الظلام التي صنعتها الامبريالية والرأسمالية العالمية .رحل أبو عمر بعد مسيرة طويلة اتسمت بالعطاء والنضال والتضحية، لم يهادن أو يساوم على مبادئه، ولم يتنازل يوما عن حقه في النضال من اجل تحقيق الأهداف التي امن بها.مارس المرحوم الدكتور أبو عمر ما كان يؤمن به من مبادئ بشكل عملي من خلال فتح عيادته في الأردن وسورية أمام الكادحين والقيام بمعالجتهم مجانا يشاركه في ذلك د. عبد الرحمن شقير رحمه الله.كان المرحوم أبو عمر يؤمن بحتمية انتصار قضية النضال من اجل الاستقلال ومن اجل التحرر الوطني ولذلك فقد كان معروفا بمواقفه إلى جانب النضال الوطني الفلسطيني وفصائله الفدائية. ولقد كان معروفا عنه احترامه لمن يختلف معهم في الرأي واحترامهم له وهي صفة لازمته لأخر حياته ويسجل له انه بعد زوال الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية لم يغير قناعاته بحتمية انتصار قوى الثورة والتحرر الاممي على  القوى الامبريالية المعادية لحركة الشعوب ولذلك فقد ظل متمسكا بمبادئه تحت مظلة الحزب الشيوعي الذي لم يغير اسمه كما حصل في العديد من بلدان العالم.غاب جسد أبو عمر ولكن ذكراه باقية في ذاكرة رفاقه ومحبيه الكثر فأصحاب المبادئ والعقيدة من المناضلين إنما يرحلون بأجسادهم ويبقون إحياء في ذكراهم.سيبقى اسم الدكتور نبيه وأعماله منارة تهتدي بها أجيال المناضلين لأسرته وال ارشيدات الكرام ورفاقه الشيوعيين في الأردن وسورية وفي الوطن العربي والعالم ولكل أصدقائه أحر العزاء وجميل الصبر والسلوان.الناطق الرسمي باسم لجنة التنسيقالأمين العاملحزب البعث العربي التقدميفــؤاد دبــور عمان 18/10/2009

 

 

حوراني: سيرته الباقية لنا حافلة بالمنجزات تساعدنا على التجلد واحتمال الوجعألقى الكاتب فيصل حوراني، كلمة الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، هذا نصها:لوعة مفارقة الأحباب موجعة. إنها اللوعة التي لا يطفئها التأسي حتى لو كان المفارق شخصاً عادياً. فكيف تنطفئ اللوعة حين يكون الحبيب المفارق هو هذا الإنسان الكبير، وما الذي يملأ الفراغ الذي يحدثه غيابه.رأيت نبيه رشيدات أوّل مرة في العام 1957، في لقاء، إن كان عابراً، فقد بقي في ذاكرتي حتى وقد نسيه هو. وقتئذٍ كنت أجيراً في مصبغة في حي القصور. وكان نبيه قد وفد إلى دمشق بعد الضربة التي تعرضت لها الحركة الوطنية التقدمية الأردنية، الحركة التي كان هو من مؤسسيها والتي برز فيها بوصفه من أنشط نشطائها. وفي دمشق حل نبيه ضيفاً في منزل في الحي، وقد جاء إلى المصبغة زبوناً تسبقه السمعة التي تكرسه بطلاً من أبطال الكفاح الوطني، والتي تملأ مخيِّلة الأجير بصورته الفاتنة. ومنذ ذلك الوقت، انحفرت في ذاكرتي الصورة الفعلية للإنسان الذي بدا (قدَّ سمعته وزيادة)، الإنسان الذي يبث الفرح، والحميمة والوعي في كل مكان يحل فيه، والذي لا يتعالى على أحد.أما اللقاء الذي صار فاتحة لصداقةٍ امتدت على مدى خمسة عقود متصلة، فجرى بعد ذلك بسنوات في ظرفٍ مختلف. كان أجير المصبغة قد صار صحافياً منهمكاً في العمل العام. وكان نبيه قد أنهى غربته الاضطرارية عن دمشق، وعاد إليها قائداً في الحزب الشيوعي السوري، واستعاد فيها دوره الذي تعرفونه. وبهذا، كان الرجل الذي ندر أمثاله قد فرد حضوره في ساحات النشاط العام كلها، الاجتماعي والثقافي والسياسي، الحزبي والوطني والأممي، ووضع همّته، وخبرته، وكفاءته، وثقافته، وحنكته، في خدمة الجميع.وككثيرين غيري، أجدني مديناً لنبيه بالكثير مما علمني إياه، ما بثته أحاديثه وما رسمه لنا سلوكه. وبين كل ما تعلمته على يدي هذا الصديق، أود هنا أن أنوه بدرس لم تغب عبرته عن بالي أبداً: لا يجوز لتقدمي أن يكون معادياً للشيوعية. قد لا يصير التقدمي شيوعياً، لكن يتعذر أن يظل المعادي للشيوعية صافي الولاء للتقدمية، كما لا يجوز لشيوعي أن يعادي التقدميين الآخرين، الشيوعي الذي يعادي التقدميين لن يظل صافي الولاء لشيوعيته.في ما كتبت ونشرت، رويت عن نبيه أشياء كثيرة، عن الإنسان والأمثولة، عن نزاهته، عن إعلائه شأن المبادئ، عن حرصه مع هذا على أن لا يصير في المتزمتين، عن مواءمته الخلاقة بين عقيدته وسلوكه، عن نشاطه المثابر من أجل أن تصير حياة الجموع أقلَّ بؤساً، عن الصديق الذي يعنى بشؤون أصدقائه أكثر مما يُعنَوْن هم بها، عن الشيوعي الذي كسب ثقة الوطنيين النزهاء كافة وحظي باحترام الجميع.وعلى كثرة ما كتبت، فإني لم أورد سوى غيض من الفيض الذي أثرى نبيه به حياتنا.وهأنذا أجيز لنفسي أن أتباهى: لقد كنت محظوظاً لأني ظفرت بصداقة هذا الإنسان.وما دام كثيرون غيري سيتحدثون عن نبيه، فسأستحضر هنا شيئاً واحداً فقط، شيئاً واحداً من فيض ما صنعه هو في خدمة الحركة الوطنية الفلسطينية بالذات، خصوصاً ما صنعه منذ عرفته لمساعدة العمل الفدائي الفلسطيني الذي سمي أيضاً الكفاح المسلح والثورة الفلسطينية.فحين عاد نبيه إلى دمشق في أوائل ستينيات القرن المنقضي، كانت الجهود المطردة لتأسيس منظمات العمل الفدائي في إبانها، فواكب هذه الجهود، وعقد أوسع الصلات مع ناسها، ووطد صلاته بعد أن بلورت الجهود تأسيس منظمات عدّة. ولقد كان في بعض طروح المؤسسين ما لا يرضى عنه شيوعي. لكن لئن بلبلت هذه الطروح كثيرين، شيوعيين وغير شيوعيين، فقد سلك نبيه كما سلك طيلة عمره، فالتقط ما هو جوهري وتشبث به: الشعب الفلسطيني شعب مظلوم، وكل سعي لمقاومة الظلم، فيه ما يوجب على الوطنيين التقدميين مساندته، أما خطأ المظلوم فإن لمعالجته وسيلة واحدة، مساعدة هذا المظلوم على اكتشاف الخطأ وتجاوزه.ولي أن أشهد بأن نبيه رشيدات الذي بذّ أقرانه في تقديم شتى أشكال المساعدة للعمل الفدائي الفلسطيني، والذي أسهم في بلورة سياسة حزبه المساندة للثورة الفلسطينية دون تحفظ، كان هو ذاته الأجرأ في التحذير من الأخطاء، وكشف مضارها، والحث على تجاوزها، والدفع باتجاه تصويب الفكر السياسي والممارسة الفلسطينيين، وتقديم النصائح المرشدة إلى الطريق الصحيح. ولقد تمثل هذا المجال بالذات أمجدُ ما صنعه هذا المحب المزمن للفلسطينيين: التفاني في توفير كل دعم ممكن لكفاحهم التحرري، والمثابرة على المساعدة لاكتشاف الأخطاء.وبهذا، أيضاً، قدم لنا نبيه أمثولة: إن نصيحة متقدم الوعي المنهمك معك فيما أنت منهمك فيه، هي التي تجد طريقها إلى العقول دون ممانعة. وقد أنسى أشياء كثيرة غير أني لا أنسى أبداً صولات نبيه وجولاته في الساحة الفلسطينية على مواقعها المتعددة، هو الذي كان ينتقل من موقع إلى موقع، يستجيب لطلب أداء خدمة في مكان، ويبادر إلى تقديم خدمة في غيره، يقارع فرسان الجُمَل الثورية من المغامرين والمتطرفين في موقع، ويقارع في موقع آخر الهيابين المسكونين بروح التهاون، يجتهد في مقاومة الأوهام مثلما يجتهد في التصدي لنوازع اليأس. وفي المواقع كلها، ظل نبيه هو هو، المحب للفلسطينيين المحبوب منهم، الصادق والمصدَّق، الذي لا يتحامل ولا يجامل، المجادل الذي يحظى باحترام المتفقين معه والمختلفين معه على حد سواء.فيا وداد خلف، يا أم عمر، أيتها الزوجة الصابرة، ويا سلام رشيدات، أيتها الابنة التي تترسَّم خطا أبٍ من أعظم الآباء، ويا عمر ويا عبد الرحمن، ويا آل الرشيدات، يا من فارقكم رجل من أنبه أقربائكم،ويا رفاق نبيه وأصدقاءه،يا كلنا،لقد ترك لنا الحبيب المفارق ما نعتز به ونهتدي بهديه، سيرة مديدة، حافلة بالمنجزات، اتصل فيها العطاء بالعطاء دون أي فجوة، ميراثاً ليس كأي ميراث.وما دام من المتعذر أن يبرحنا وجع الفراق، فليكن في هذا الميراث الذي نعتز به ما يساعدنا على التجلد واحتمال الوجع. وجوهر الأمر كما كان نبيه ذاته سيقول، هو أن تظل الراية التي اهتدى بها نبيه مرفوعة، الآن وفي المستقبل.

 

نبيه ارشيدات

"العالم لن يصبح مكاناً أفضل من تلقاء ذاته"هاشم غرايبةنلتقي في حضرة المناضل السياسي، والمثقف التنويري، وطبيب الفقراء والغرباء والمهجّرين؛ الدكتور نبيه ارشيدات؛ الذي عاش حياته ببساطة وعمق مناضلاً من أجل أن يكون العالم أفضل، ومن أجل أن تصير الحياة أجمل.. مقتنعاً ومقنعاً بأن "العالم لن يصبح مكاناً أفضل من تلقاء ذاته".. خاصة إذا ما نظرنا إلى ما آلت إليه أوضاعنا السياسية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية والحزبية، وما باتت عليه منظومتنا القيمية من انحدار وانهيار، ناهيك عما استقرت عليه معظم مكونات النظام السياسي العربي من هشاشة وتهافت وقمع وتنكيل واستقالة واضحة من التزاماتها القومية، وواجباتها الوطنية، وقيمها الأخلاقية، فلم تعد تجد هذه الأنظمة في المواطن العربي سوى سلعة للمتاجرة فيها أو قمعها!"نعم يا أبا عمر.. "في الزمن الرديء، يكون البشر أكثر من أي وقت آخر بحاجة للنضال ضد الحروب، ومكافحة الظلم، وفضح الفساد.الحضور الكراملقد اختار نبيه ارشيدات درب النضال منذ نعومة أظفاره عندما ركب مع الأمير طلال ومحمد باجس المجالي خيلهم وانطلقوا لنصرة الثورة على الانجليز في العراق، وظلّ يواصل نشاطه السياسي والثقافي والاجتماعي، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مؤكداً ومتأكداً أن العالم لن يصير أفضل من تلقاء ذاته.  في عام 1945، كان نبيه ارشيدات طالباً في كلية الطب. عندما وقع العدوان على البرلمان السوري. ترك الدراسة وتطوع في سلك الدرك، وساهم في علاج الجرحى.. وظل يحتفظ بصورته وهو بلباس الدرك.. ويعرضها على الناس باعتزاز وفخر. وفي عام 1956 عين مديراً لمشفى السل بحلب. وفي أحد الأيام دخل مكتبه فلاح فقير وبيده ورقة توصية من أحد كبار الإقطاعيين في ذلك الزمان، فمزق الدكتور نبيه الورقة أمام المراجعين وقال له: ادخل هنا مرفوع الرأس وقل: أنا مواطن، أدفع الضرائب، وقد بني هذا المستشفى من أموال الشعب، وأريد أن تعالجوني.في الستينيات دخل ياسر عرفات عيادة الدكتور نبيه وقال له: يا دكتور نبيه! لك فضل كبير على منظمة فتح، لأنك تعالج مرضانا مجاناً. فأجابه الدكتور نبيه: هذا واجبي، وأنا أعالج جميع المرضى من جميع الفصائل.. ولهذا تم انتخابه من بين ثلاثة أطباء متميزين ليكون رئيساً للجمعية الطبية لمساعدة الفدائيين.في عقد التسعينيات من القرن الماضي منحته الحكومة الفيتنامية وسام الصداقة مع الشعب الفيتنامي في حفل ضم العديد من رفاقه وأصدقائه، وأصر الدكتور ارشيدات إلا أن يكون الحفل في شقته بعيداً عن بهرجة الفنادق والمطاعم والصالات الفاخرة.ويروي المناضل العراقي حسان عاكف مواقف مؤثرة عن نخوة الدكتور نبيه ارشيدات في مساندة المهجّرين العراقيين، ويقول:  دخلت امرأة تحمل ولدها. وكان الطفل مصاباً بالتهاب حاد في الرئتين، ويحتاج إلى وضعه تحت الأوكسجين.. اتصل بمدير مشفى المجتهد وطلب منه إدخال الطفل إلى العناية الحثيثة. خرجت المرأة من العيادة ولكنها وقفت على الرصيف ولم تتحرك. أدرك الدكتور نبيه أنها لا تحمل نقوداً. فخرج من عيادته وأوقف سيارة تكسي وأعطاها مالاً، وقال للسائق: أسرع قدر ما تستطيع إلى مشفى المجتهد.هذا هو الدكتور نبيه ارشيدات، ابن عبد الرحمن ارشيدات عضو مجلس الأعيان الأردني، وأحد الأوصياء على العرش إثر المناداة بالحسين ملكاً على الأردن، وهو دون الثامنة عشرة.. ها هو نبيه ابن العائلة الأردنية العريقة الذي اختار النضال وطرقه الوعرة، معرضاً عن إغراء المال والمنصب، وانحاز إلى بسطاء الناس، فانخرط في لجة الحياة طبيباً ومناضلاً، لا ينحني أمام ضغوط الحياة، ولا تفل عزيمته السجون والمنافي. التواضع سمته الرئيسية. والابتسامة لا تفارقه. النكتة والدعابة وخفة الظل سلاحه في مواجهة مرارة الواقع.. كتب في مذكراته (أوراق ليست شخصية) الصادرة عن دار الينابيع في دمشق.. أنه في حزيران عام 1958م كان لاجئاً في الصين، وحين سأل عن طبيعة المستشفى التي ستستقبل زوجته التي كانت حاملا بابنته سلام "هي الدكتورة سلام ارشيدات التي سنسعد بالاستماع لكلمتها بعد قليل" جاءه الجواب "إنه مستشفى جيد، ففي هذا المستشفى توفي "صن يات صن!"وفي ندوة عربية عقدت بطرابلس الغرب ذكر مسؤول ليبي مفاخراً أن كلفة مشروع النهر الكبير تتجاوز الـ18 مليار دولار، علق الدكتور نبيه ضاحكاً: هذا يعني أن سعر التفاحة الليبية لن يكون أقل من 18 دولاراً!!.لقد كان له الرحمة ولكم حسن العزاء، جسراً موثوقاً بين ذاكرتنا الجمعية والحاضر المعاش.. كما كان حلقة وصل متينة بين مثقفين ومناضلين من مختلف الأقطار العربية ومن شتى أرجاء العالم.. لما نتحدث عن الدكتور نبيه ارشيدات يحضر في البال الجواهري وعبد الرحمن منيف ومصطفى العريس وصبحي أبو غنيمة وحسني فريز وحنا مينة وغالب هلسا وطلال السلمان وشوقي بغدادي وفريدة النقاش وفيصل حوراني وعبد الكريم أبازيد وحسن يوسف.. وعلى صعيد العمل السياسي يحضر معنا محمد باجس المجالي وعبد الرحمن شقير ويعقوب زيادين ومنيف الرزاز وفؤاد نصار، وخالد بكداش، وفرج الله الحلو.. وفايز الروسان وسلطي التل واحمد الشرايري وعبد العزيز العطي..يروي المناضل عبد العزيز العطي عن أول معرفته بنبيه ارشيدات يقول: كنا في القدس وطلب مني أبو خالد "فؤاد نصار" التوجه إلى عمان لإصلاح مطبعة الحزب، والاستعانة بجهود الدكتور نبيه ارشيدات هناك.  وفي عمان توجهت إلى محل الساعاتي نجيب الذي تحول فيما بعد إلى مطعم السردي.. فأبلغني الساعاتي أن نبيه ارشيدات معتقل في باير.. ومن هناك تشعبت السبل بفقيدنا الكبير.. من السجن إلى المنفى، ومن عمان إلى دمشق.. ثم السفر إلى الصين وإلى بلاد السوفيات ومختلف أقطار المعمورة.. رحلة حياة تعرف خلالها فقيدنا إلى ثقافات الشعوب وحضاراتها، فأغنى ثقافته الماركسية وعقيدته الاشتراكية بنظرة إنسانية مستنيرة تنأى به عن الجمود العقائدي والاستعلاء المعرفي وإنكار الاختلاف.. د. نبيه ارشيدات واحد من الذين علمونا فن التعاطي السياسي والاجتماعي، والقدرة على مواجهة أعقد المشكلات بهدوء من عركته الحياة، والإصغاء إلى الآخر ليس بهدف الرد عليه وإفحامه، بل من أجل اكتشاف مساحة مشتركة لتبادل المعارف..  رحل أبو عمر تاركاً ذكرى طيبة وعطرة شاركته في صنع أريجها زوجته المناضلة وداد خلف، وعائلته الكريمة سلام وعمر وعبد الرحمن، ورهط الأصدقاء، الذين قد يختلفون معه لكنهم لا يختلفون على مبدئيته العالية، وحسن معشره، وثقافته الموسوعية.لكم حسن العزاء، ولأبي عمر الحضور البهي حيا وميتا..والسلام عليكم ورحمة الله

 

كلمة الحركة النسائية الأردنية في

حفل تأبين الراحل د. نبيه ارشيداتالرفاق الأعزاء – الحضور الكرام أتوجه لكم بالشكر العميق، وأنتم تقيمون هذا الحفل التكريمي للمناضل الأردني الكبير نبيه ارشيدات، في زمن أصبحنا نخشى فيه من تبديد التاريخ المشرق الذي صنعته أجيال من المناضلين، وأصبح الوفاء لإنجازاتهم جزءاً من القيم الأخلاقية المهجورة. فقد عاش المناضل الراحل في مرحلة تاريخية، شهدت تحولات عميقة على المستوى الدولي وكان لها أثر بالغ في حياة وتقدم الشعوب، وفي فرض توازنات قوى دولية، شكلت فيها المنظومة الاشتراكية درعاً حامياً لحركات التحرر العربيية والعالمية في وجه الاستعمار القبيح، ثم سنداً مادياً وسياسياً كبيراً لنهوض الدولة الوطنية الحديثة في المنطقة العربية، التي بدأت تنعطف نحو مرحلة البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بعد تحررها من الاحتلال الأجنبي. في هذا السياق نهضت الأحزاب اليسارية والتقدمية لتمثل هموم وتطلعات فئات واسعة من المجتمعات العربية وتدافع عن مصالحها الاجتماعية في إطار المصالح الوطنية العليا. وكان لتبني الأحزاب الشيوعية العربية المنهج المادي الجدلي في تفسير الصراعات المحتدمة داخلياً وخارجياً، أثر بالغ في توجيه البرامج الوطنية والسياسات وتماسها الشديد مع مصالح الفقراء ومصالح القوى الاجتماعية الطامحة للمشاركة في بناء الدولة الوطنية الحديثة. على الجبهة الأخرى، كانت القوى الدولية المهيمنة تعمد على توطيد أركان الكيان الصهيوني العنصري على أرض فلسطين، وما رافق ذلك وتبعه من نكبات حلت بالشعب الفلسطيني ثم الشعوب العربية المحيطة على وجه الخصوص. وفي لجة هذه التحولات العسيرة في المنطقة العربية، ولدت منارات فكرية وسياسية ذات طابع تقدمي وديمقراطي .. امتدت على مر أجيال وعصور، رافقت هذه التحولات وتشكلت خبرات عربية هائلة في مقاومة الاستعمار الاستيطاني، والدفاع عن سيادة الوطن وحق الشعوب في تقرير مصيرها .. ثم الدفاع عن الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية ومأسسة الحركات الاجتماعية، تلك الاستهدافات التي غابت عصوراً طويلة عن الأدبيات السياسية العربية. تزامن كل ذلك مع مرحلة بناء الدولة الوطنية الأردنية ونهوض المؤسسات الوطنية وعلى رأسها الأحزاب اليسارية والتقدمية التي كانت شريكاً حقيقياً في النهوض بالحركات الاجتماعية على أسس برنامجية متقدمة .. الحزب الشيوعي الأردني كان له دور مجيد في هذا السياق، إن الحركة النسائية الأردنية وهي تستلهم من الدروس والخبرات، فإنها تحفظ عن ظهر قلب وفي الذاكرة التاريخية، دور الحزب الشيوعي والأحزاب الوطنية والتقدمية التي دفعت الحركة النسائية قدماً باعتبارها مكوناً رئيسياً من مكونات الحركة الاجتماعية الصاعدة نحو التغيير. نعم: ندين لرائدات الحركة النسائية ومن وقف خلفهن في ذلك الوقت الصعب الدفاع عن الثقافة الديمقراطية وقضية المرأة باعتبارها قضية وطنية واجتماعية، وعن ثقافة الشرعية الشعبية المكتسبة بفعل النضالات الميدانية وحق المواطنين رجالاً ونساء في صنع القرار الوطني والاجتماعي. في قضايا الحاضر، بدأت تغيب القاعدة الممنهجة العلمية في تفسير الصراع الاجتماعي القائم، وحلت محلها قواعد أخرى عقائدية وفئوية من شأنها طمس المعالم الحقيقية للصراع بدلالاته الاقتصادية والثقافية والسياسية، تلك القاعدة الجدلية التي بنيت على أساسها العلاقة الكفاحية بين الشعبين الشقيقين الأردني والفلسطيني وبين الحركتين الوطنيتين ... وهي نفس القاعدة الممتدة التي احتضنت كل الأحزاب الوطنية واليسارية والتقدمية العربية على أساس الخلاص من الاستعمار والدفاع عن السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية .. وهي أيضاً القاعدة التي عززت علاقات شعوبنا وحركاتها السياسية والاجتماعية مع شعوب ودول العالم على أساس من التكافؤ والاحترام المتبادل. إن رؤية الماضي متحرراً من مستجدات الحاضر وقواعد الفئوية الطارئة على هذه الإنجازات، هي التي يمكن أن تساعدنا في مقاومة كل التضليل الذي تبنته وأشاعته على أوسع نطاق، قوى الليبرالية الجديدة في بلادنا والعالم .. ولكن التحولات السياسية الواسعة التي جرت منذ أوائل التسعينات بكل أركانها ومعداتها العسكرية والقانونية لا بد وأن تنتج قوى اجتماعية قادرة على النهوض من جديد بمتطلبات التحول الديمقراطي والدفاع عن السيادة الوطنية. شكراً لكم أيها الرفاق وأنتم تقيمون هذا الحفل التكريمي دفاعاً عن المجد الذي صنعه المناضلون وعن المنابر الفكرية المضيئة في زمن الظلمة، التي ستبقى مثار اعتزاز لنا جميعاً على دروب الحرية والتقدم ومواجهة عوامل التخلف ودعاة العودة إلى الوراء ... بوركت جهودكم وطوبى لكل المناضلين الحالمين بالتغيير والعدالة ..عبلة محمود أبو علبةعضو المكتب السياسي لحشد عضو اللجنة التنفيذية لاتحاد المرأة الأردنية

 

 

كلمة الدكتورة سلام ارشيدات

أيها الحفل الكريم، اسمحوا لي أن أتوجه لكم بالشكر الجزيل باسمي واسم عائلتي آل ارشيدات لحضوركم هذا الحفل الكريم. واسمحوا لي أن أتوجه بالشكر باسمكم جميعاً إلى كل من ساهم في قيام هذا الحفل وأخص بالشكر السادة:

  • قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي الأردني ممثلة بالأمين العام الدكتور منير حمارنة.
  • لجنة تنسيق أحزاب المعارضة – السيد فؤاد دبور.
  • الكاتب الفلسطيني المقيم في فينا – السيد فيصل الحوراني.
  • الأديب هاشم غرايبة.
  • السيدة عبلة أبو علبة ممثلة الهيئة النسائية.

والشكر موصول لعطوفة محافظ عمان سمير مبيضين، وعطوفة أمين عمان / الدائرة الثقافية م. هيثم جوينات والسيد محمد خريس. أيها الحفل الكريم، لقد سلط المتحدثون الكرام الضوء على سيرة وحياة والدي الدكتور نبيه ارشيدات من كل الجوانب الوطنية والسياسية والإنسانية وأشادوا بصدق مواقفه المبدئية تجاه القضايا المحلية والدولية. اسمحوا لي كابنة لنبيه ارشيدات وبموضوعية كاملة أن أصف لكم خبرتي ومعايشتي الشخصية لمسيرة والدي لأكثر من 40 سنة عشنا خلالها الغربة والتشتيت والتشويق. ولعلي أختزل ما قاله المتحدثون الأكارم عن سيرة والدي وأوجزها بأمانة مطلقة بأنه مثال صادق وصحيح لهوية الإنسان الأردني والعالمي، فقد كان:

  • وطنياً أردنياً نشأ على أرض هذا الوطن كما نشأ جيله من المناضلين تتلمذ على أيدي أساتذة نعتز بهم في مدارس إربد والكرك والسلط ومعان مدافعاً عن قضايا الوطن منذ الصغر وساهم في تكوين الجبهة الوطنية التي حاربت من أجل فلسطين ومن أجل الاستقلال.
  • قائداً شعبياً رافضاً للذل رغم الإرهاب، مستعداً للتضحية من أجل المبادئ السامية، لم يكترث للصعاب ولم تغره المناصب والمكاسب وتحمل السجن والمنفى في سبيل ذلك.
  • حراً رغم الضغط والكبت مقدساً للحرية وكارهاً للظلم، ووجد في الفكر الأممي المادي طريقه للعمل العام، أثناء دراسته في دمشق، بعداً إنسانياً عالمياًً عمق عنده أهمية الإنسان وحب الإنسان وضرورة خدمته والنضال من أجل قضاياه. وكان همه دعوة جميع المناضلين الوطنيين إلى التضامن والتوحد والبعد عن الانقسامات، ومقاومة العدوان والاحتلال.
  • عفيفاً رغم الإغراء، متعطشاً لإحقاق الحق والعدالة، فعاش حياة صعبة في غربته وواساه في ذلك تحمل عائلته لذلك ودعمهم له دون انقطاع.
  • ثابتاً على العقيدة، مصمماً على مواصلة الكفاح، لم تتغير مواقفه مع الزمن بالرغم من تغير الظروف وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
  • مفكراً يؤمن بالحوار البناء الإيجابي ويؤمن بأهمية التقييم الذاتي وانتقاد الذات دون التنازل عن مبادئه وأفكاره. وهذا ما حصل معه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
  • يؤمن بوطنه الأردن ويحترم خصوصياته، وكان أميناً على سمعة بلده مدافعاً عنها خلال تجواله في العالم الشرقي والغربي، ولم يدخل في مهاترات سياسية ضد بلده رغم حرمانه الطويل من دخولها.
  • إنساناً يؤمن بحق الوطن بالحرية والتعبير عن رأيه ويعمل ويدافع عن أفكاره بكل الوسائل. وقد جير خبراته كطبيب في خدمة الناس في كل مكان في مدن الأردن وسوريا وخصوصاً دمشق التي ودعته باحتفال تأبيني كبير، وأينما حل وسكن قام على خدمة الناس الغرباء والفقراء منهم خصوصاً، والمؤسسات بلا مقابل.

وفي الختام، أرجوا باسمكم أن أتوجه إلى والدتي السيدة وداد خلف بالتقدير والاحترام على دورها الإنساني الكبير في دعم مسيرة زوجها الطويلة وتحملها المشاق، فلها كل التقدير. وكل التقدير إلى روح جدي (عبد الرحمن ارشيدات) الذي غرس فينا مبادئ الحق والنزاهة والنضال من أجل قضايانا العربية وخصوصاً فلسطين وكذلك قضايا الناس ورفع الظلم عنهم. وكل التقدير إلى الأهل والعائلة الذين دعموا نضاله وعززوا من عزيمته، والتقدير والاحترام لرفاقه في النضال والأقارب والأصدقاء الذين ساعدوه خلال كل المراحل التاريخية في حياته ومنهم من هم أحياء بيننا. تحية إلى روح صديقه في النضال الدكتور (عبد الرحمن شقير). تحية إلى روح كل المناضلين والشهداء الذين قضوا في سبيل كرامة الأمة وعزة المواطن والوطن.

وشكراً لحضوركم وإصغائكم.

 

وفي الختام قال الدكتور سليمان الأزرعي عريف الحفل: عزاؤنا لكم .. عزاؤنا للوطن .. عزاؤنا للشعب الأردني، وعزاؤنا لكل من عرف رفيقنا القائد الشيوعي الراحل. ولتظل ذكراه خالدة خلود الموقف الشريف، والدور النظيف، وخلود ذكرى الأحرار والمناضلين، والناذرين أنفسهم للصالح العام، والوطني، والقومي، والأممي الشريف ... وليظل هذا المناخ الديمقراطي مباركاً...

للفقيد الخلود، ولشعبنا ووطننا التقدم والازدهار...

 

 

 

نشاطات الحزب

تحلـيـل إخبــاري

أمريكا: من الانحياز الأعمى الى العداء السافر
14 كانون1 2017 09:55 - الحزب الشيوعي الأردني

أسفرت الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة عن أن يتربع على عرش البيت الأبيض رئيس يصفه الأمريكيون قبل غيرهم  [ ... ]

مقالات اخرى

حالة الطقس